جاري التحميل...

عمليه الخليل بين الموقف الوطني وحسابات الواقع: حين تصبح النتائج جزءاً من المسؤولية

بقلم : م.محمد علي العايدي

ليس كل عمل تحكم عليه النوايا وحدها، فالمواقف الوطنية تُقاس أيضاً بمدى تقديرها للظروف المحيطة بها، وقراءتها لتوقيتها، وحسابها للنتائج التي قد تترتب عليها. ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى في الخليل يثير تساؤلات جدية حول مدى التقدير السياسي لتداعياته، وحول ما إذا كانت الظروف القائمة تسمح بخطوة كهذه، في ظل ما يواجهه شعبنا الفلسطيني من حصار وضغوط متصاعدة، وما يتعرض له أهلنا في الداخل المحتل من تضييق وملاحقة.

إن موقفنا من هذه الأحداث يجب ألا يُبنى على الانفعال أو على الأحكام المسبقة، بل على قراءة هادئة ومسؤولة للمصلحة الوطنية. فالقضية الفلسطينية تمر بمرحلة بالغة الحساسية، وأي حدث ميداني لا تبقى نتائجه محصورة في مكان وقوعه، بل قد تمتد آثاره إلى مختلف المناطق الفلسطينية، وتنعكس على حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم، وعلى قدرة شعبنا على مواصلة صموده في أرضه.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري ليس متعلقاً بالنوايا وحدها، وإنما بمدى دراسة النتائج المحتملة، وبما إذا كان توقيت العملية قد خدم المصلحة الوطنية أم أتاح للخصم فرصاً إضافية لاستثمارها سياسياً وإعلامياً.

ففي الوقت الذي تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل سعي اليمين الإسرائيلي، ولا سيما معسكر بنيامين نتنياهو، إلى تعزيز حضوره السياسي، فإن مثل هذه الأحداث قد تمنحه مادة إضافية لتغذية خطابه الأمني، وتعبئة جمهوره، وتبرير المزيد من الإجراءات القمعية والتضييق على الفلسطينيين. وقد يجد هذا المعسكر فيها فرصة لصرف الأنظار عن سياسات الاحتلال والاستيطان، وتحويل النقاش إلى قضايا تخدم حساباته الانتخابية.

ولا تقف المخاوف عند حدود الاستغلال السياسي والإعلامي، بل تمتد إلى التداعيات المباشرة على أهلنا في الداخل المحتل، وعلى المواطنين الذين قد يواجهون مزيداً من القيود والإجراءات العقابية. كما أن التهديدات الإسرائيلية بهدم منازل آمنة وتهجير عائلات من محيط المستوطنات تضعنا أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، لأن المسألة تتعلق ببيوت الناس وأمنهم وحقهم في العيش بكرامة على أرضهم.

ومن الضروري هنا التأكيد أن المسؤولية المباشرة عن قرارات الهدم والتهجير والعقاب الجماعي تقع على سلطات الاحتلال التي تتخذ هذه القرارات وتنفذها. فلا يجوز تبرير انتهاكات الاحتلال أو إعفاؤه من مسؤولياته القانونية والأخلاقية. لكن رفضنا لسياسات الاحتلال لا يعفينا من واجب مراجعة خياراتنا وتقدير انعكاساتها، ولا سيما حين تكون حياة المواطنين وممتلكاتهم وصمودهم في دائرة الخطر.

إن الحديث عن هذه المسائل لا يستهدف الشهداء، ولا ينتقص من تضحياتهم، ولا يشكك في حق شعبنا في الحرية والكرامة والخلاص من الاحتلال. فالشهداء لهم مكانتهم الوطنية والإنسانية، والنضال الفلسطيني من أجل الحرية حق لا يجوز مصادرته. غير أن احترام الشهداء لا يعني إغلاق باب النقاش حول الأساليب والخيارات، كما أن النقد المسؤول لا يعني التخوين أو الإساءة، بل قد يكون تعبيراً عن الحرص على شعبنا ومستقبله.

فالنضال له أساليب متعددة، والصمود له متطلبات تتجاوز مجرد تحمل النتائج بعد وقوعها. ومن واجب كل من يتخذ قراراً ميدانياً أن يدرس الظروف السياسية والشعبية، وأن يقدّر ردود الفعل المتوقعة، وأن يضع في حساباته قدرة المجتمع على تحمل الأثمان، ومدى تأثير الخطوة في تعزيز صمود الناس أو زيادة الأعباء عليهم.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الحفاظ على الأرض، وحماية المواطنين، وإفشال مخططات التهجير، وتعزيز الحضور الوطني، كلها أشكال أساسية من أشكال النضال. وهي تتطلب وعياً بالتوقيت، وحسن تقدير للظروف، ورؤية تتجاوز ردود الفعل الآنية إلى التفكير في النتائج البعيدة المدى.

إن شعبنا لا تنقصه التضحيات، ولا يحتاج إلى من يزايد على تمسكه بحقه في الحرية. ما يحتاج إليه هو أن تكون التضحيات جزءاً من رؤية وطنية واضحة، وأن تُختار الوسائل بما يخدم الأهداف، لا أن تتحول النتائج غير المحسوبة إلى أعباء إضافية يدفع ثمنها المواطنون، ويستثمرها خصوم قضيتنا لتعزيز سياساتهم ومصالحهم.

إن نقد خطوة لا يعني رفض النضال، والحرص على سلامة شعبنا لا يعني التراجع عن حقوقه. بل إن المسؤولية الوطنية تقتضي الجمع بين الثبات على المبادئ والحكمة في اختيار الوسائل، وبين مواجهة الاحتلال وحماية المجتمع من تداعيات الخيارات غير المدروسة.

فغايتنا ليست مجرد تسجيل موقف، بل تحقيق تقدم حقيقي نحو الحرية والكرامة، والحفاظ على أرضنا وأهلنا، وتعزيز صمود شعبنا في مواجهة الاحتلال. وهذه الغاية تستحق منا أن نراجع تجاربنا بجرأة وهدوء، بعيداً عن التخوين والمزايدات، وأن نجعل المصلحة الوطنية العليا معياراً لكل موقف وخيار.

فالقضية أكبر من حدث، والوطن أغلى من أن تُترك مصائر أبنائه لحسابات اللحظة. والنضال الذي نريده هو النضال الذي يحفظ لشعبنا حقه في الحرية، ويصون كرامته، ويعزز قدرته على البقاء والصمود، ويقرّبنا من أهدافنا الوطنية بدلاً من أن يمنح خصومنا فرصاً إضافية لابعادنا عنها