جاري التحميل...

أكتوبر… شهر عسل نتنياهو مع حماس!

 

لو كان للتقويم لسانٌ، لتبرّأ أكتوبر من اسمه. فهذا شهر يستحق أن يُسمّى شهر عسل نتنياهو مع حماس، وشهر تحقيق أحلام مصّاصي الدماء! شهرٌ تتعاكس فيه الشعارات، وتتلاقى فيه النتائج، ويجد فيه تجّار الموت ما يُطيل أعمارهم السياسية، فيما يُترك الفلسطيني ليدفع الفاتورة من دمه وبيته ومستقبله.
يا لها من شراكةٍ عجيبة! نتنياهو يريد حربًا تُبقيه في الحكم، وحماس تمنحه مرةً بعد أخرى، ما يحتاج إليه لتسويق حربه. هو يبيع للإسرائيليين وهمَ الأمن بالقوة، وهي تبيع للفلسطينيين وهمَ النصر بالشعارات. وبين الوهمين وطنٌ ينزف وشعب يُستنزف، وقضيةٌ تُدفع إلى حافة الهاوية. عداوةٌ في الكلام، وشهر عسلٍ في حصيلة الحسابات. أما العريس الحقيقي فهو الموت، وأما المدعوون إلى الوليمة فهم أبناء شعبنا!
وهل يحتاج شهر العسل إلى صور زفاف؟ يكفي أن ينظر المرء إلى النتائج: نتنياهو يزداد تشبثًا بحربه، وحماس تتمسك بخياراتٍ تمنحه مزيدًا من الذرائع، واليمين الإسرائيلي المتطرف يجد في كل جولةٍ جديدة فرصةً لتوسيع مشروعه، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يدفن أبناءه، ويصبر على خراب بيته، ثم يصفّق لمن أوصله إلى هذا المصير!
وجاءت عملية فرش الهوى في الخليل أمس، لتضيف إلى هذا المشهد وقودًا جديدًا. لم يجفّ حبر الحدث حتى عاد نتنياهو إلى قاموسه المفضّل: التصعيد والعقاب والقبضة الحديدية. يا للمصادفة السعيدة في حسابات رجلٍ يواجه منافسةً سياسية وضغوطًا على مستقبله! كلما ضاق عليه الطريق، وجد في الدم منعطفًا جديدًا. وكلما لاح شبح المحاسبة، حضرت هدايا حماس لتؤجل الحساب.
لا أحتاج إلى الادعاء بأن نتنياهو دبّر العملية كي أقول إنه يعرف كيف يربح سياسيًا من نتائجها. ولا أحتاج إلى وثيقةٍ مختومة كي أرى كيف تخدم خيارات حماس، في محطاتٍ كثيرة، بقاءه ومشروع حكومته. فالشراكة التي أتحدث عنها ليست بالضرورة اتفاقًا خلف الأبواب المغلقة، رغم انها كذلك وأكثر، وهي كذلك شراكة نتائج، يتغذّى فيها مشروعٌ على ما ينتجه مشروعٌ آخر، ولو تباريا في إعلان العداوة.
وهنا تكمن الفضيحة: لو أراد نتنياهو موظفًا في حملته الانتخابية، لما احتاج إلى أكثر من خصمٍ يمنحه الذرائع، ويعيد الخوف إلى صدارة المشهد، ويتيح له أن يقول للإسرائيليين: انظروا، أنا وحدي أحميكم! ولو أرادت حماس شهادةً على إخفاق الرهان السياسي، لما احتاجت إلى أكثر من النظر إلى شعبٍ يُحاصر ويُهجّر ويقتل، واحتلالٍ يوسّع قبضته، ويمينٍ متطرفٍ يجد في استمرار المواجهة ما يخدم أجندته.
وما يزيد المشهد خطورةً أن النتيجة تصبّ في اتجاهٍ واحد: إضعاف السلطة الفلسطينية حتى تفكيكها، وضرب مؤسساتها وشرعيتها، ودفن حلم الدولة الفلسطينية الذي يحاول نتنياهو خنقه بالاحتلال، فيما تمنحه سياسات حماس القذرة، والانقسام الذرائع لإتمام المهمة. فحين تتآكل السلطة وتتبدّد وحدة القرار، يصبح مشروع الدولة أول الضحايا، ويغدو الاحتلال أكثر قدرةً على فرض مشروعه بلا شريك فلسطيني قادر على انتزاع الاستقلال.
أما الخاسر، فليس بحاجة إلى استطلاع رأي كي يعرف اسمه: فلسطين.
ولست هنا لأساوي بين شعبٍ تحت الاحتلال ودولةٍ تحتل أرضه. فالمسؤولية عن الاحتلال والعدوان والعقاب الجماعي تقع على عاتق إسرائيل. لكنني أرفض أن يتحول هذا الحق الواضح إلى ستارٍ يحمي أي شريحة فلسطينية من المساءلة. فإدانة الاحتلال لا تفرض علينا الصمت عن حماس، كما أن نقد حماس لا يمنح الاحتلال براءةً من جرائمه على الإطلاق. هذه ليست معادلةً صعبة أبدا. الصعب أن نقولها في زمنٍ صار فيه بعض الناس يطلبون من الفلسطيني أن يختار بين كرامة وطنه وحقه في محاسبة من يتحدث باسمه.
تبًّا لهذه اللعبة القذرة! تبًّا لنتنياهو الذي يجد في دمنا فرصةً لإطالة عمر حكومته، وتبًّا لكل قرارٍ يمنحه الذريعة ثم يترك شعبنا يواجه العواقب وحده. وتبًّا لمن يرفع شعار المقاومة وكأن الشعار يُسقط حق الناس في السؤال: ماذا حققتم؟ وإلى أين تقودوننا؟ ومن يدفع ثمن حساباتكم؟
أكتوبر شهر عسل نتنياهو مع حماس، لا لأنهما يتبادلان الغرام فقط، بل لأن استمرار هذا الجحيم يمنح كليهما ما يتمسك به، فيما يخسر الفلسطيني ما لا يملكه أحدٌ سواه: حياته وأرضه ومستقبله.
ولذلك، لا أريد من شعبنا أن يصفّق لنتنياهو المجرم، ولا أن يمنح المدعوة حماس صكًّا مفتوحًا باسم المقاومة وهي مقاولة للسيد نتنياهو. أريده أن يرفض الاثنين حين تصبح حياة الفلسطينيين وقودًا لمشاريعهما الدموية، وأن يستعيد حقه في وطنٍ لا تتحكم بمصيره حسابات حكومةٍ متطرفة أو “فصيلٍ” يظن أن القضية ملكه.
لعنةٌ على كل من يتاجر بدمنا، وكل من يطيل عمر المأساة، وكل من يطلب منا أن نسمّي الخراب انتصارًا!
فلسطين أكبر من نتنياهو، وأكبر من حماس، وأكبر من كل الذين يتقنون صناعة الموت ولشعارات بينما يتركون للشعب مهمة دفن الضحايا. ولن يكون خلاصنا بأن ينتصر أحدهما على الآخر، بل بأن يتحرر شعبنا من الاحتلالين، ومن كل حسابٍ يضع بقاء أصحابه فوق بقاء الوطن.
أما أكتوبر، فليحمل اسمه الذي يشاء، لقد فضح وحده ما يكفي من الوجوه التي تتغذّى على الدم وتترك لنا، بعد انفضاض الوليمة، فاتورة الموت!