الدكتوره مروة شهيد
باحثة في التاريخ المعاصر وتحليل العلاقات الدولية
لم تعد الصراعات الدولية المعاصرة تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل اتسعت لتشمل الجوانب الاقتصادية والاستراتيجية المتعددة، من بينها الطاقة والغذاء والأسمدة وطرق التجارة الدولية وما كشفته الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت في سياق تصاعد التوترات بين روسيا والدول الغربية، عن الأهمية المتزايدة للموارد الأساسية في إدارة الصراعات الدولية، إذ أصبحت سلاسل الإمداد الزراعي والتجاري جزءاً مهماً من معادلة الضغط المتبادل بين روسيا والعواصم الأوروبية.
وقد أعادت هذه التحولات طرح التساؤلات الجوهرية بشأن مدى قدرة العقوبات الاقتصادية على تحقيق أهدافها السياسية، وحدود تأثيرها في الدول التي تفرضها، فضلاً عن انعكاساتها على الدول النامية المستوردة للغذاء ومن هنا، فإن دراسة العلاقة بين الصراع الروسي-الأوروبي والأمن الغذائي تقتضي بالانتقال من الخطاب السياسي المتبادل إلى تحليل المصالح الاقتصادية وموازين القوة وآليات توظيف الموارد في السياسة الدولية.
الغذاء بوصفه أداة من أدوات القوة في العلاقات الدولية:
يمثل الأمن الغذائي أحد الأبعاد الأساسية للأمن القومي؛ لأنه يرتبط بقدرة الدولة على توفير الغذاء لسكانها بصورة مستقرة ومستدامة وقد ازدادت أهميته في العلاقات الدولية مع تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول في مجالات الإنتاج الزراعي والتجارة والنقل والطاقة
وتكتسب روسيا أهمية استراتيجية في هذا المجال بسبب موقعها بين كبار مصدري القمح والأسمدة عالمياً، في حين تمثل أوكرانيا مصدراً رئيسياً للحبوب والزيوت النباتية في الأسواق الدولية ولذلك، فإن تعرض الإنتاج الزراعي أو الموانئ أو الممرات البحرية للاضطراب لا يؤثر في طرفي الحرب وحدهما، بل يمتد إلى الدول المستوردة، ولا سيما تلك التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الغذائية,
وقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح بعد اندلاع الحرب عام 2022، عندما تعرضت حركة الصادرات الزراعية عبر البحر الأسود لاضطرابات كبيرة وأسهمت المخاوف المتعلقة بالإمدادات وتكاليف النقل والطاقة في زيادة هشاشة الأسواق، بينما أظهرت الجهود الدولية الرامية إلى استئناف تصدير الحبوب في ظل المفاوضات المرتبطة بإدارة الأزمة.
ومن منظور العلاقات الدولية، يمكن تفسير توظيف الموارد الغذائية ضمن مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية القسرية، عندما تستخدم الدولة قدرتها التجارية أو تتحكم في إمدادات استراتيجية بهدف التأثير في سلوك دولة أخرى غير أن مجرد امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية، لأن فعالية هذا الأسلوب تتوقف على وجود بدائل لدى المستوردين، وحجم الاعتماد المتبادل، وقدرة الأسواق على التكيف مع أي صدمات تجتاح العالم .
العقوبات الغربية والرد الروسي في معادلة الضغط الاقتصادي:
اعتمد الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه، عقب الحرب الروسية الأوكرانية، حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية بهدف تقليص قدرة روسيا على تمويل حربها وإضعاف إمكاناتها الاقتصادية وشملت هذه التدابير قطاعات مالية وصناعية ، وأثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة في بعض عمليات الدفع والنقل والتأمين المرتبطة بالتجارة الدولية
وفي المقابل، سعت روسيا إلى توظيف مواردها الاستراتيجية ومكانتها في أسواق الطاقة والمواد الزراعية ضمن سياستها الرامية إلى مواجهة الضغوط الغربية, وقد حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصريحات سابقة خلال عام 2022، من أن العقوبات واضطراب الإمدادات قد يؤديان إلى تفاقم نقص الغذاء وارتفاع الأسعار بشكل كبير، كما أشار إلى ضرورة مراعاة المصالح الروسية عند إدارة الصادرات الزراعية.
وتكشف هذه المعادلة عن طبيعة الصراع الاقتصادي بين روسيا والغرب في ظل العقوبات الهادفة إلى زيادة تكلفة السياسات الروسية، بينما تسعى روسيا إلى تقليل آثارها وإظهار جانب الضغط الاقتصادي قد يرتد ويؤثر يشكل كبير على الدول التي تستخدمه غير أن هذه العلاقة لا تعني أن الطرفين يتكبدان الخسائر نفسها أو يمتلكان القدرات ذاتها على تحملها، إذ تختلف النتائج باختلاف حجم الاقتصاد ودرجة الاعتماد على الاستيراد وتوافر البدائل.
توظيف الغذاء في الصراع وحدود القدرة على فرض الإرادة السياسية:
إن استخدام الموارد الاقتصادية في الصراعات الدولية لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية المرجوة؛ لأن الضغط قد يدفع الطرف المستهدف إلى تغيير سياساته، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى البحث عن بدائل تجارية جديدة، وتعزيز علاقاته مع قوى أخرى، وتسريع خطط الاستقلال الاقتصادي
وفي الحالة الروسية-الأوروبية، يتداخل الغذاء مع الطاقة والعقوبات المالية والتنافس الجيوسياسي, فـ روسيا تسعى للمحافظة على عائدات صادراتها وتعزيز موقعها التفاوضي، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليص بعض أوجه الاعتماد الاقتصادي على الأخيرة، مع تجنب اضطرابات واسعة في أسواقه الداخلية,
وتتوقف نتائج هذا التنافس على قدرة كل طرف على تحمل التكاليف ومدى سرعة توفير البدائل، وفاعلية السياسات الاقتصادية، فضلاً عن تطورات الميدان العسكري ومسارات التفاوض
ولهذا لا يمكن اعتبار أي تهديد بوقف الصادرات دليلاً كافياً على وقوع أزمة غذائية شاملة.
مما تقدم ذكره, يمكننا القول بأن العقوبات الاقتصادية وتوظيف الصادرات الاستراتيجية وحسب ما أظهرته التجربة الروسية-الأوروبية يمثلان أدوات ضغط متبادلة، إلا أن نتائجها تظل مرتبطة بقدرة الأطراف على التكيف وتوفير البدائل وتوزيع الأعباء الاقتصادية, كما تؤكد أن الأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد توافر السلع في الأسواق, بل يتطلب ضمان استمرارية الإمدادات وإمكانية الحصول على الغذاء بأسعار مناسبة
ولذلك ,فإن مستقبل الأمن الغذائي الأوروبي والعالمي لا يمكن اختزاله في التصريحات السياسية أو سيناريوهات المجاعة المتداولة، بل ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع يجمع بين تطورات الحرب وسياسات الطاقة والتجارة الدولية ,فضلاً عن مرونة الإنتاج الزراعي، وفاعلية التعاون الدبلوماسي, ويبقى الدرس الأكثر بروزاً وخطورة هو بأن تحويل الغذاء إلى أداة للصراع قد يوسع نطاق الأضرار لتشمل مجتمعات بعيدة عن ساحات المواجهة، لذلك من الضرورة التركيز على العمل الجماعي؛ لحماية الإمدادات الأساسية وفق المصلحة الدولية المشتركة؛ لكي تتجاوز حسابات الخصومة السياسية بين الدول المتصارعة وتجنب آثارها على الدول الأخرى.