الدكتورة مروة شهيد
باحثة في التاريخ المعاصر وتحليل العلاقات الدولية
لم تعد القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة مجرد قضية نزاع إقليمي طويل الأمد، بل أصبحت واحدة من أبرز القضايا التي تكشف طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي والشرق الأوسط معاً. فمنذ نشوء القضية الفلسطينية ارتبط مسارها بتغيرات موازين القوى الدولية، وبصعود قوى إقليمية وانحسار أخرى. الى جانب، التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن الإقليمي وطبيعة العلاقات بين دول المنطقة والقوى الكبرى. وقد أعادت التطورات المتلاحقة في غزة والضفة الغربية القضية الفلسطينية إلى مركز التفاعلات الدولية، ليس فقط بسبب حجم الخسائر الإنسانية والدمار، وإنما أيضاً بسبب انعكاساتها على مستقبل النظام الإقليمي، وعلى طبيعة العلاقات العربية والإسرائيلية، وعلى موقع القوى الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط.
وتأتي هذه التحولات في وقت يشهد فيه النظام الدولي نفسه تغيرات عميقة مع تزايد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع قدرة النظام الدولي التقليدي على إنتاج تسويات مستقرة، وصعود أدوار اقتصادية وسياسية جديدة. وفي هذا السياق أصبحت فلسطين نقطة اختبار مهمة لمفاهيم السيادة والقانون الدولي والشرعية الدولية، كما أصبحت مسألة مستقبل الدولة الفلسطينية جزءاً من النقاش الدولي حول شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة. في شهر أيلول 2026، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن تحقيق حل الدولتين لا يزال يمثل المسار المطروح لتحقيق السلام، محذراً في الوقت نفسه من أن التوسع الاستيطاني والتهجير وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، كما دعا إلى توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكومة فلسطينية شرعية واحدة.
فلسطين بين التاريخ والجغرافيا والسياسة
توضح التجربة التاريخية لنا بأن القضية الفلسطينية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. فالتاريخ يفسر جذور الصراع، والجغرافيا تفسر أهمية المكان، والسياسة تفسر طبيعة العلاقات بين الأطراف، بينما تفسر العلاقات الدولية حجم التدخل الخارجي. وهذه العناصر الأربعة تتداخل بصورة مستمرة. فغزة ليست مساحة جغرافية، والضفة ليست منطقة متنازع عليها، والقدس ليست مجرد مدينة؛ بل إن كل عنصر منها يحمل أبعاداً تاريخية ودينية وسياسية وجيوسياسية ولهذا فإن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى التعامل مع هذه المستويات بصورة متزامنة، بدل معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر.
فلسطين من قضية محلية إلى قضية دولية
ارتبطت القضية الفلسطينية منذ بداياتها الحديثة بالتدخلات الدولية، ولا سيما منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية ودخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ
ومع الانتقال إلى مرحلة الانتداب البريطاني ثم قيام (إسرائيل) عام 1948، تحولت فلسطين تدريجياً إلى قضية ذات أبعاد دولية. وأصبحت الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية جزءاً أساسياً من مسارها السياسي والقانوني؛ حتى جاءت حرب عام 1967 لتضيف بعداً جديداً، بعدما أصبحت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل. وأصبحت قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة والانسحاب منها جزءاً رئيسياً من قرارات مجلس الأمن والمفاوضات الدولية. وبذلك لم تعد القضية الفلسطينية محكومة بالتوازنات المحلية وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالنظام الدولي، وبالسياسة الأمريكية والأوروبية، وبمواقف روسيا والصين. بالإضافة الى، التحولات الأخرى المتعلقة في البيئة العربية والإقليمية. وقد حافظت القضية على هذا البعد الدولي حتى المرحلة الراهنة، إلا أن طبيعة التفاعل معها تغيرت؛ لكونها لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالحرب والسلام، وإنما أصبحت تشمل قضايا الاعتراف بالدولة الفلسطينية والقانون الدولي، والاستيطان، والحدود، والقدس، واللاجئين، وإعادة إعمار غزة، وبناء المؤسسات الفلسطينية.
التحول في موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي
شهدت القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية تحولات في طريقة تعامل المجتمع الدولي معها. ففي مراحل سابقة كانت القضية جزءاً أساسياً من التنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي، ثم أصبحت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة مرتبطة بصورة أكبر بعملية السلام التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية. أما في المرحلة الراهنة، فقد اتسع نطاق التفاعل الدولي معها ليشمل أطرافاً أوروبية وآسيوية وعربية ودولاً من الجنوب العالمي، إضافة إلى المؤسسات الدولية.
في ايلول 2026، عقدت الأمم المتحدة اجتماع رفيع المستوى بشأن حل الدولتين، وأكد الأمين العام أن عدد من الدول اعترف بدولة فلسطين خلال العام السابق، مع استمرار الدفع الدولي نحو إقامة دولتين على أساس خطوط ما قبل عام1967.
هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في طبيعة النقاش الدولي، فالقضية لم تعد تطرح فقط بوصفها مسألة تسوية بين طرفين، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية ومكانتها في النظام الدولي.
مستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحولات المعاصرة
من المنطلق التحليلي والبعد التاريخي يصعب تقديم حكم نهائي على مستقبل القضية الفلسطينية؛ لأن البيئة الإقليمية والدولية لا تزال متحركة. لكن يمكن تحديد مجموعة من الاتجاهات التي ستؤثر في مستقبلها، أول هذه الاتجاهات هو: مستقبل قطاع غزة وإعادة إعماره
وثانيها؛ مستقبل الضفة الغربية والتوسع الاستيطاني والتواصل الجغرافي الفلسطيني،
وثالثها؛ تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من استكمال بناء مؤسسات الدولة التي تتعمد سلطات الاحتلال تدميرها بشكل ممنهج، الى جانب تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الانتخابات التشريعية والرئاسية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي مقدمتها القدس الشرقية.
ورابعها، طبيعة الدور العربي والدولي في دعم المسار السياسي. وخامسها، قدرة المجتمع الدولي على تحويل الحديث عن حل الدولتين إلى ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية قابلة للتطبيق. فالوقت يضيق أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، بفعل سياسات الاستيطان ومخططات التهجير والضم التي تدفع بها وتمارسها سلطات الاحتلال.
في هذا السياق، القضية الفلسطينية في مرحلتها الراهنة تكشف لنا عن حقيقة أساسية وهي أن مستقبل فلسطين لا ينفصل عن مستقبل الشرق الأوسط ولا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، فقد انتقلت القضية عبر تاريخها المعاصر من كونها قضية مرتبطة بالصراع العربي-(الإسرائيلي) إلى قضية تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي والسيادة والاعتراف بالدولة وحقوق الإنسان والطاقة والممرات التجارية والأمن الإقليمي. من ناحية، أصبح قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة نقطة مركزية في إعادة تشكيل النقاش الدولي حول فلسطين، بينما تمثل الضفة الغربية والقدس عنصر حاسم في تحديد الإمكانات الجغرافية والسياسية لأي دولة فلسطينية مستقبلية.
في المقابل، كشفت التطورات عن استمرار الدور الأمريكي والأوروبي والعربي في تشكيل البيئة المحيطة بالقضية الفلسطينية، ومن ثم فإن مستقبل القضية الفلسطينية سيظل مرتبطًا بصورة كبيرة بقدرة النظامين العربي والاسلامي على تحويل المواقف السياسية إلى أدوات دبلوماسية واقتصادية ضاغطة على “اسرائيل” للاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967، وهو ما اقرته كل الشرائع والقوانين الدولية لانهاء هذا الصراع الأطول في التاريخ.