سالم حسن غنيم
في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، لم يكن العالم يشهد مجرد صدور رسالة دبلوماسية من وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد،
بل كان يشهد بداية مرحلة مفصلية في تاريخ فلسطين،
مرحلة حملت في طياتها مأساة شعب، وضياع وطن،
وتشريد أجيال،
وما زالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
إنه وعد بلفور المشؤوم،
الذي اختصرت فيه بريطانيا مأساة شعب كامل بقرار سياسي،
وأعطت ما لا تملك لمن لا يستحق.
فلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب،
ولم يكن شعبها بلا وطن حتى تأتي بريطانيا وتقرر مصيره نيابة عنه.
كانت فلسطين أرضاً عامرة بأهلها، بمدنها وقراها وحقولها وأسواقها،
وكان الفلسطينيون يعيشون على أرضهم، يمارسون حياتهم، ويحملون تاريخهم وهويتهم وذاكرتهم، قبل أن تقرر حكومة بريطانية أن تمنح الحركة الصهيونية دعماً سياسياً لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، دون أن يكون للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق رأي في ذلك القرار.
لقد تضمن نص وعد بلفور إشارة إلى عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، لكنه لم يعترف صراحة بحقوقها السياسية والوطنية، ولم يعترف بالشعب الفلسطيني بوصفه شعباً له حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: كيف لدولة استعمارية أن تتصرف بمصير شعب وأرض لا تملكهما؟
وكيف لدولة تدّعي احترام الحرية والعدالة وحقوق الشعوب أن تتخذ قراراً بهذه الخطورة دون الرجوع إلى أصحاب الأرض؟
لم يبقَ وعد بلفور حبراً على ورق،
بل وجد طريقه إلى السياسات البريطانية خلال فترة الانتداب على فلسطين، وأصبح أحد الأسس السياسية التي ساهمت في تهيئة الظروف لقيام المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية.
ومع مرور السنوات،
دخل الشعب الفلسطيني في مواجهة مع واقع سياسي جديد، وتعرضت مدنه وقراه لتحولات عميقة، وصولاً إلى نكبة عام 1948، التي شهدت تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين،
وتدمير مئات القرى والبلدات، والاستيلاء على الممتلكات والأراضي.
من اللد والرملة إلى يافا وحيفا وعكا والقدس، ومن قرى الجليل إلى قرى الساحل والداخل الفلسطيني، حمل الناس مفاتيح بيوتهم ووثائق ملكيتهم، وغادروا تحت وطأة الحرب والتهجير، وهم يعتقدون أن الغياب لن يطول.
لكن السنوات تحولت إلى عقود، والعقود أصبحت أكثر من قرن على صدور الوعد.
وُلدت أجيال في مخيمات اللجوء والمنافي، وكبرت وهي تسمع حكايات الآباء والأجداد عن البيوت التي تركوها، والحقول التي اقتُلعوا منها، والمدارس والأسواق والمساجد والكنائس التي كانت جزءاً من حياتهم اليومية.
وهكذا لم تكن النكبة مجرد خسارة أرض، بل كانت اقتلاعاً للإنسان من جذوره، ومحاولة لقطع علاقته بمكانه وتاريخه وذاكرته.
بريطانيا والاعتراف بدولة فلسطين… هل انتهت المسؤولية؟
في الحادي والعشرين من أيلول عام 2025، أعلنت المملكة المتحدة اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، بعد أكثر من قرن على وعد بلفور.
ولا شك أن الاعتراف يمثل تطوراً سياسياً مهماً، لكنه يطرح سؤالاً أكبر من مجرد الاعتراف الدبلوماسي:
هل يكفي أن تعترف بريطانيا اليوم بالدولة الفلسطينية، دون أن تواجه مسؤوليتها التاريخية عن الدور الذي أدته في صناعة المأساة الفلسطينية؟
إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية خطوة مهمة،
لكنه لا يعيد اللاجئ إلى بيته،
ولا يعيد الأرض إلى أصحابها،
ولا يعالج وحده آثار التهجير والاحتلال والاستيطان،
ولا يعيد الحقوق التي حُرم منها الفلسطينيون على امتداد أجيال.
لقد اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين، ولكن المطلوب الآن أن تنتقل من الاعتراف السياسي إلى الفعل العملي، وأن تترجم هذا الاعتراف إلى التزامات واضحة تضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة،
وقادرة على ممارسة حقوقها على أرضها،
وعاصمتها القدس الشرقية.
فلا معنى للاعتراف بدولة لا تستطيع حماية أرضها،
ولا تملك السيطرة على حدودها،
ولا يتمتع شعبها بحقوقه الوطنية والسياسية.
الاعتذار والتعويض… استحقاق تاريخي
إننا نطالب المملكة المتحدة، حكومةً وبرلماناً ومؤسسات، بأن تتعامل مع وعد بلفور باعتباره قضية مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية، لا مجرد صفحة من صفحات الماضي.
ومن هنا، فإن المطالب الفلسطينية يجب أن تكون واضحة:
أولاً: الاعتذار الرسمي
أن تقدم الحكومة البريطانية اعتذاراً رسمياً وصريحاً للشعب الفلسطيني عن وعد بلفور، وعن السياسات التي انتهجتها خلال فترة الانتداب، وعن النتائج التاريخية التي ترتبت على تلك السياسات.
فالاعتذار ليس إهانة لدولة،
بل اعتراف بالحق،
واحترام لكرامة شعب تعرض للظلم والاقتلاع.
ثانياً: التعويض عن الأضرار التاريخية
أن تبدأ بريطانيا حواراً جدياً حول مسؤوليتها عن الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني، وأن تشارك في آلية دولية وقانونية عادلة لتقدير التعويضات عن الخسائر البشرية والمادية، وفقدان الممتلكات والأراضي، والتهجير القسري، وما ترتب على ذلك من معاناة إنسانية واقتصادية واجتماعية امتدت لأجيال.
فالتعويض ليس منّة أو مساعدة إنسانية، بل مطلب إنصاف يستند إلى حجم الضرر والمسؤولية التاريخية التي ينبغي بحثها ضمن إطار قانوني منصف.
ثالثاً: دعم حق العودة
أن تعترف بريطانيا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض، وفق قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194، وألا تتعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها مشكلة إنسانية قابلة للتجاوز أو النسيان.
رابعاً: خطوات عملية لقيام الدولة الفلسطينية
أن تستخدم بريطانيا مكانتها الدولية وعلاقاتها السياسية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحماية الشعب الفلسطيني، وضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
خامساً: حماية الذاكرة والحقوق الفلسطينية
أن تدعم بريطانيا الجهود القانونية والتوثيقية الرامية إلى حفظ الوثائق الفلسطينية، وتوثيق الممتلكات والقرى والمدن المهجرة، وحماية الحقوق الفردية والجماعية من محاولات الطمس والتغييب.
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى
إن مرور أكثر من مئة عام على وعد بلفور لا يعني أن القضية انتهت، ولا أن الحقوق سقطت، ولا أن ذاكرة الفلسطينيين أصبحت جزءاً من الماضي.
فالشعب الفلسطيني لم ينسَ أرضه، ولم يتخلَّ عن هويته، ولم يتنازل عن حقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
ومن اللد التي اقتُلع أهلها من بيوتهم، إلى غزة التي تحمل اليوم أعباء الدمار والمعاناة، ومن مخيمات الشتات إلى قرى الضفة الغربية ومدنها، ما زالت الحكاية الفلسطينية شاهدة على أن الأوطان ليست أوراقاً سياسية، وأن الشعوب لا تفقد حقوقها بقرار يصدر من عاصمة بعيدة.
إننا لا نحمل الشعب البريطاني مسؤولية قرارات حكومة عام 1917، ولا نطالب الأجيال البريطانية الحالية بذنب لم ترتكبه، لكننا نطالب الدولة البريطانية بمواجهة تاريخها، والاعتراف بمسؤولية حكوماتها، والعمل على تصحيح ما يمكن تصحيحه من آثار تلك السياسات.
إن العدالة لا تتحقق بتغيير المواقف وحده، ولا تُبنى على البيانات والتصريحات، بل تحتاج إلى إرادة سياسية، واعتذار صريح، وإجراءات عملية، وإنصاف للضحايا وأصحاب الحقوق.
بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور قبل أكثر من قرن، مطالبة اليوم بأن تصدر وعداً جديداً، لا وعداً بمنح أرض الغير، بل وعداً بالعمل من أجل إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف الشعب الفلسطيني، ودعم حقه في إقامة دولته المستقلة.
لقد أعطيتم ما لا تملكون، وكان الشعب الفلسطيني هو من دفع الثمن.
واليوم، وبعد أكثر من مئة عام، آن الأوان أن تتحملوا مسؤوليتكم التاريخية، وأن تقدموا الاعتذار، وأن تساهموا في تعويض الضحايا، وأن تعملوا من أجل إنهاء المأساة التي كان لوعدكم دور في تأسيسها.
فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الفلسطينية لا تموت، والحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم أو بالنسيان.
فلسطين ليست وعداً صدر في لندن، وليست قراراً تمنحه حكومة أو تسحبه أخرى.
فلسطين وطن،
وشعب،
وتاريخ، وهوية،
وحق لا يسقط.