جاري التحميل...

إعادة تعريف “أمريكا أولا “من نتائج الانتخابات إلى معركة النفوذ داخل الكونغرس.

اسامة ناصر / شيكاغو

كشفت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عن تحول في طبيعة الصراع السياسي وتنافس على تعريف المصلحة الوطنية الأمريكية ودور الولايات المتحدة في العالم.
ان فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس يعني أن دونالد ترامب سيواجه ابتداء من يناير 2027 واقعا مختلفا فالرئاسة جمهورية والكونغرس ديمقراطي بما يفتح مرحلة من الصراع حول السياسات والإنفاق والرقابة وصلاحيات السلطة التنفيذية.
لكن الأهم هو التحول في مفهوم “أمريكا أولا” الذي لم يعد حكرا على التيار القومي اليميني الذي رفعه ترامب شعارا مركزيا.
“فأمريكا أولا” لدى ترامب تعني حماية الحدود وتشديد الهجرة وتعزيز الهوية القومية وصياغة العلاقات الدولية وفق حسابات القوة والمصلحة الأمريكية وهي لا تعني الانعزال أو وقف التدخل العسكري بل اختيار ساحات التدخل والتحالفات التي تخدم النفوذ الأمريكي.
في المقابل يطرح التيار التقدمي الديمقراطي مفهوما مختلفا يوجه الأولويات نحو الداخل من خلال الصحة والتعليم والسكن والأجور والخدمات العامة ويدعو إلى مراجعة الإنفاق العسكري والمساعدات والتحالفات التي لا تخضع للمساءلة.
إن الخلاف بين الرؤيتين يتعلق بمعنى القوة الأمريكية فبينما يركز اليمين على القوة العسكرية والحدود والنفوذ يركز التقدميون على الاقتصاد والعدالة الاجتماعية وتحسين حياة المواطنين.
ومع ذلك لا يمكن التعامل مع الحزب الديمقراطي باعتباره كتلة متجانسة فهناك تيار وسطي لا يزال متمسكا بالسياسة الخارجية التقليدية وبالعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل وهناك تيار تقدمي يدفع باتجاه مراجعة هذه العلاقة ووضع شروط على المساعدات العسكرية وربط السياسة الخارجية بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والمساءلة.
وهنا تبرز فلسطين باعتبارها ميدانا لاختبار التحول فقد أصبحت جزءا من نقاش أمريكي أوسع حول الإنفاق العام والدعم العسكري وصلاحيات الكونغرس ومدى انسجام السياسة الخارجية مع المبادئ الديمقراطية المعلنة.
ولا يمكن اختزال النتائج في الموقف من فلسطين فتكاليف المعيشة والتضخم والحرب مع إيران وأداء الإدارة والفساد أثرت أيضا في خيارات الناخبين لكن فلسطين باتت حاضرة في النقاش حول العلاقة مع إسرائيل وحدود الدعم غير المشروط لها.
تكمن أهمية المرحلة المقبلة في انتقال النقاش إلى مؤسسات القرار ففي مجلس النواب سيتولى الديمقراطيون رئاسة اللجان وفتح التحقيقات واستدعاء المسؤولين وطلب الوثائق وممارسة رقابة أوسع على الإدارة.
أما مجلس الشيوخ فسيؤثر في التعيينات والمصادقة على كبار المسؤولين والسفراء والقضاة وفي رقابة لجانه على السياسة الخارجية والدفاع وصفقات السلاح.
لكن الأغلبية الديمقراطية لن تمنح الحزب قدرة مطلقة على فرض برنامجه أو تغيير السياسة تجاه إسرائيل فهذه المرحلة تمثل نموذجا للحكومة المنقسمة حيث يحتفظ ترامب بالرئاسة بينما يسيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس وهو وضع يفتح الباب أمام مواجهة مستمرة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وبحسب توزيع المقاعد المعلن يملك الديمقراطيون 54 مقعدا في مجلس الشيوخ ولا يمتلكون عتبة الستين صوتا اللازمة عادة لإنهاء التعطيل التشريعي ما يفرض عليهم الحصول على دعم ستة أعضاء إضافيين من خارج كتلتهم للوصول إلى هذه العتبة وهذا يحد من قدرتهم على تمرير تشريعات كبرى بصورة منفردة ويجعل أدوات الرقابة والتحقيق والمساءلة أكثر أهمية في مواجهة إدارة ترامب.
كما يحتفظ الرئيس بحق استخدام الفيتو ولا يمكن تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين لذلك ستكون قدرة الكونغرس على الرقابة وفتح التحقيقات ومساءلة الإدارة وتعطيل بعض توجهاتها أكبر من قدرته على فرض تغييرات تشريعية شاملة.
لهذا سيكون التأثير الأقرب في توسيع الرقابة والمساءلة تستطيع اللجان عقد جلسات بشأن المساعدات العسكرية وصفقات السلاح وشروط استخدامها ومدى الالتزام بالقوانين كما يمكنها الدفع نحو تشريعات تفرض قيودا جديدة لكن تحويل المطالب إلى سياسة ملزمة سيظل مرتبطا بتوازنات الحزبين وموقف الرئيس.
وهذا ينقل العلاقة مع إسرائيل من التوافق شبه التلقائي إلى النقاش والمساءلة داخل المؤسسات من دون أن يعني انقلابا فوريا في السياسة الخارجية.
كما أن قدرة الكونغرس على التأثير لا تقتصر على التصويت على القوانين فالموازنات والاعتمادات المالية وآليات الرقابة تمنحه أدوات ضغط مهمة ومن هنا قد يصبح النقاش حول المساعدات لإسرائيل أكثر ارتباطا بتفاصيل التمويل وشروط التسليح والشفافية بدلا من بقائه سجالا سياسيا عاما.
سيصور ترامب الأغلبية الديمقراطية باعتبارها عائقا أمام تفويضه الانتخابي بينما سيقدمها الديمقراطيون باعتبارها استعادة للتوازن والرقابة وستكون الموازنة وتمويل الحكومة والتحقيقات أبرز ساحات المواجهة وقد يتكرر التعطيل التشريعي.
أما فلسطينيا فالتحدي هو قدرة الأصوات التقدمية على بناء تحالفات مع أعضاء من التيار الوسطي وقوى المجتمع المدني والناخبين المطالبين بمراجعة السياسة تجاه إسرائيل فالتغيير لا تصنعه المواقف الفردية بل تحالفات تحولها إلى قرارات.
وبالنسبة للفلسطينيين والعرب الأمريكيين تفرض المرحلة الانتقال من التأثير في الانتخابات إلى حضور مستمر داخل مؤسسات القرار ومتابعة أعضاء الكونغرس والتواصل مع مكاتبهم والمشاركة في صياغة المواقف والتشريعات فالقيمة الحقيقية للتأثير الانتخابي تظهر في القدرة على المساءلة بعد انتهاء الحملات.
لقد أظهرت الانتخابات أن “أمريكا أولا” لم يعد شعارا يملكه اتجاه واحد وأن الصراع يدور حول من يحدد المصلحة الأمريكية وكيف توظف موارد الدولة وقوتها.
ومع بدء الكونغرس الجديد في يناير 2027 ستدخل الولايات المتحدة مرحلة صراع مؤسسي بين البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس وستكون فلسطين وإسرائيل من الملفات الكاشفة لمدى قدرة التيار التقدمي على الانتقال من الخطاب إلى القرار.
وهذا لا يعني أن السياسة الأمريكية تغيرت بالفعل لكنه يعني أن مساحة تمريرها دون نقاش بدأت تضيق وأن معركة تعريف المصالح الأمريكية أصبحت مفتوحة على اتجاهات متنافسة.
اسامة ناصر / شيكاغو