%99 من أوراق اللعبة ليست في يد أمريكا

السياسي – الرئيس السادات، الذي دشن معادلة القوة الأمريكية القائلة بأن 99 في المئة من أوراق اللعبة في يد أمريكا وخاض مساره الذي خاضه مع إسرائيل، استنادا إلى هذه القناعة الخاطئة التي ترسخ حقيقة مغلوطة للغاية، وهي أن أمريكا قوة لا يمكن مقاومتها، وبالتالي فمقاومة إسرائيل عبث في عبث.. والهزائم عادة تبدأ في الرؤوس والنفوس قبل أن تكون في الواقع، وقد يكون الرئيس الراحل معذورا من تجربة أم الهزائم (1967م)، فقد عاشها وعاش كل تفاصيلها الأليمة، لكنه كان حاضرا ويعرف كل شيء.. فالهزيمة لم تكن من هناك، الهزيمة كانت من هنا.

ولعل الاستعمار البريطاني والفرنسي حين قرر مغادرة المنطقة لتحل محله “الدولة الصهيونية” كان حريصا على أن يكون الموجود بعده في عموم المنطقة نوعية من القادة لا يعرفون من الحقائق إلا الحقائق المادية ولا يعرفون من الحسابات إلا الحسابات العددية، رغم أن التاريخ يقول عكس ذلك، ووجود قادة وزعماء يعرفون منطق التاريخ، ويستذكرونه دائما، خاصة إذا كان تاريخهم، ويعرفون أن النصر والهزيمة متصلون بالأساس بـ”روح الأمة” قبل أن يتصل بإمكانات الأمة..

وجود هذا النوع من القادة والزعماء سيؤدي بالتالي وفورا إلى نزع إسرائيل نزعا من قلب الشرق الأوسط، وفي وقت قصير.. لذلك كان حديث القادة والزعماء دائما عن قوة أمريكا وامتلاكها لكل أوراق اللعبة بتعبير الرئيس السادات، وقد كانوا بذلك يغرسون في وعى الأمة انهزامية بالميلاد والتوارث.. يولد المولود وفي جيناته وعيه بالهزيمة من أمريكا وقوة أمريكا وإسرائيل وقوة إسرائيل.

ولا مكان لأي نوع من المقاومة على الإطلاق فكلها “عبث”، كما كان يحلو لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس أن يكرر دائما في تعليقه على عمليات المقاومة الفلسطينية..!! الرجل مهزوم في نخاعه هو وكل جيله، ولا يريدون أن يروا أمامهم أي نزعة للمقاومة، فقط عليك أن تذهب الى أقرب كرسي بجانبهم وتتربع مستمتعا بخيباتك وخيباتهم.

والآية الكريمة في سورة النساء تلفت نظرنا إلى أن الكافرين يتمنون للمؤمنين أن يكفرون كما كفروا فيكونون سواء، رغم أن النص القرآني وضعهم مواجهة الحائط الصد: “وماذا عليهم لو آمنوا..”. المسألة بسيطة للغاية، فقط تنظر في الكون من حولك، وتنظر في نفسك، وسيتأكد لديك أن “الله حق” وأن “الساعة حق”، وتكمل مشوراك في الحياة وأنت تفهم بوعي في العقل وسكينة في القلب.

لكن يبدو أن هذه سنة من سنن الحياة.. “لن أقاوم.. ولن أتركك تقاوم”. والأمر لن يخلوا من الجدليات العقيمة.. واللغة بابها واسع في هذا المقام وغيره، من أول ما سأل فرعون سيدنا موسى “ما بال القرون الأولى” إلى جملة الرئيس السادات الأثيرة إلى ما نراه ونسمعه الآن في الشرق الأوسط.

وموقف إيران الآن أمام أمريكا يهدم نظرية الرئيس السادات هدما سحيقا، والمفارقة أنها في مقاومة أمريكا وإسرائيل مجتمعتين.. الرئيس السادات كان يواجه إسرائيل ومن خلف الباب أمريكان لكن المسألة الآن جهارا نهارا.. وإذا كانت إيران دولة وجيشا وحرسا ثوريا.. فما يفعله “حزب الله” في هذا المعنى أضعاف أضعاف ما تفعله إيران..

أمريكا وإسرائيل الآن في حيرة حائرة.. أمريكا لا تكف عن التصريحات والتهديدات بعد ما يقارب الشهرين، ولا يدري أحد ماذا تفعل بهذا الحصار الذي فرضته على الموانئ الإيرانية، وهو عمل خائب، كان يفترض أن يكون قبل الحرب لا بعدها.. ولا إلى أي مدى سيستمر!

والقصة أكبر من حصار موانئ دولة، فالمشكلة بامتداد طول العالم وعرضه، وأضرارها على العالم أكبر من أضرارها على إيران.. إيران في حرب وحصار قديم من عشرات السنين، وتعرف ما تواجهه وما يتوجب عليها تجاه هذه الذي تواجهه.. لكن الاقتصاد العالمي ماذا سيكون مآله وحاله؟.. بل وأمريكا نفسها، ماذا ستفعل بنفسها؟ والسؤال الذي سيتصاعد بعد حين.. ما هي هذه الحرب؟ وما جدواها؟

النووي..؟؟ يفترض أن يكون شأنا دوليا، فليهتم به العالم أجمع الدول والمؤسسات.. إسرائيل..؟؟ همجيتها وشراستها بعد أن رأى العالم ما فعلت وتفعل في غزة تكفي نفسها بنفسها..

لذلك سيكون السؤال حادا ومزلزلا عن هذا الذي جرى ويجري، وأسباب كل ذلك، خاصة بعد أن تجنبت أوروبا الموضوع كله ولم تشارك فيه..

وكان الرد الأمريكي بسحب 5000 جندي أمريكي من ألمانيا في نطاق الناتو؛ عملا يلفت إلى أن الأبنية كلها هشة في هشة، وبدأت في التخلخل.. لم يعد الغرب شيئا واحدا تتحكم فيه العصابات الصهيونية كما كان من قبل.. هناك شيء جديد يتشكل، ويدخل في أطوار جديدة..

هل أبالغ إذا قلت أن “طوفان الأقصى” تحلق في سماء الجميع.. وهذا حديث التراكم والأسئلة الصامتة؟؟

لكن حيرة إسرائيل أشد، وتراها ساطعة في تصريحات نتنياهو عن “الاستقواء والاستعظام”!! والمسيّرات الجديدة تنهال على رؤوس جنوده ومدرعاتهم.. كانت مفاجأة بحق هذه المسيرات ذات الألياف الضوئية، التي لا يكتشفها أي رادار أو جهاز تعقب.. وهذا الحدث من “تجليات” المقاومة والإخلاص فيها..

هل أبالغ مرة ثانية حين أُذَكِّر بالأسلحة التي اخترعتها المقاومة وظهرت لنا حين دخلوا عليهم الباب؟

ورغم تحفظي الشديد على موقف لبنان الحكومي من التفاوض في هذا الوقت، إلا أنى أحترم كثيرا موقف الجميع من عدم الانجرار لحرب أهلية وإصرارهم على ذلك..

ما يحدث في الشرق الآن.. من “طوفان الأقصى”.. إلى صمود إيران.. إلى إبداع “حزب الله”.. ليس مجرد أحداث عابرة، تحدث تاركة من ورائها ذكريات وحكايات.. ما يحدث الآن تدشين لروح جديدة تسري في كيان الأمة لتعيدها إلى سيرتها الأولى.

-هشام الحمامي

x.com/helhamamy