الثامن من ماي: حين اكتشفت الجزائر أن الحرية في القاموس الاستعماري تعني الموت

بقلم : د. رائد ناجي‎

لم يكن الثامن من ماي 1945 يوما عاديا في ذاكرة الجزائر، بل كان لحظة انكشاف تاريخي هائل، سقطت فيه الأقنعة دفعة واحدة، وظهرت الحقيقة الاستعمارية الفرنسية عارية من كل شعارات الحرية والإخاء والمساواة. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحتفل بنهاية الحرب العالمية الثانية وانتصارها على النازية، كانت الجزائر تغرق في بحر من الدم، وكأن الاستعمار أراد أن يقول للجزائريين: إن الحرية حق للأوروبي فقط، أما الشعوب المستعمرة فمكانها الدائم تحت الحذاء.

خرج الجزائريون يومها في مسيرات سلمية، يحملون الرايات، ويرددون شعارات تطالب بالاستقلال والكرامة والوفاء بالوعود التي قدمتها فرنسا لمن قاتلوا معها ضد ألمانيا النازية. كان الجزائري يظن، ولو للحظة، أن الدم الذي قدمه في الجبهات الأوروبية سيمنحه بعض الاعتراف الإنساني، لكنه اكتشف أن المستعمر لا يرى فيه سوى مادة للحرب، ووقودا للموت، وخادما لمشروع الهيمنة.

في سطيف، وقالمة، وخراطة، تحولت الشوارع إلى مذابح مفتوحة. لم يكن القتل مجرد رد فعل أمني، بل كان قرارا استعماريا واعيا بإعادة هندسة الخوف داخل الوعي الجزائري. القرى أحرقت، والأجساد ألقيت في الوديان، والبحر حمل جثث الأبرياء، والطائرات الفرنسية قصفت المدنيين كما لو أنها تواجه جيشا جرارا لا شعبا أعزل خرج يطالب بحقه الطبيعي في الحياة.

لقد كانت المجازر رسالة سياسية أكثر منها عملية عسكرية. رسالة تقول إن الاستعمار لا يفهم لغة المطالب، بل لغة الإبادة. ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول مجازر الثامن من ماي إلى الشرارة النفسية والفكرية التي مهدت لثورة نوفمبر لاحقا. فالجزائري أدرك يومها أن الحرية لا تستجدى من المستعمر، وأن الاستقلال لا يولد من موائد التفاوض وحدها، بل من قدرة الشعوب على انتزاع كرامتها مهما كان الثمن.

وإذا كان التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، فإن ما يحدث اليوم في فلسطين يكاد يكون النسخة الحديثة من المشهد ذاته. فالعالم الذي صمت بالأمس على مذابح الجزائر، هو نفسه الذي يقف اليوم مرتبكا أو متواطئا أمام المجازر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. نفس اللغة الاستعمارية تتكرر، ونفس المنطق العنصري يعاد إنتاجه، ونفس الازدواجية الأخلاقية تحكم المشهد الدولي.

في غزة، كما في سطيف بالأمس، يتحول المدني إلى هدف مشروع، وتصبح المجازر مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بينما يواصل العالم حديثه البارد عن “حق الدفاع عن النفس”، وكأن الطفل الفلسطيني يولد متهما، وكأن الدم العربي أقل قيمة في الميزان الإنساني العالمي.

إن الرابط العميق بين الجزائر وفلسطين لا يقوم فقط على العاطفة أو الشعارات، بل على التجربة التاريخية المشتركة مع الاستعمار. فالاستعمار في جوهره واحد، مهما تغيرت الأعلام والأسماء. إنه مشروع يقوم على نزع إنسانية الآخر، وتحويل الأرض إلى غنيمة، والشعب إلى فائض بشري يمكن التخلص منه متى اقتضت الضرورة السياسية.

ولهذا كانت الجزائر دائما تفهم فلسطين من الداخل، لا من الخارج. تفهم معنى أن يتحول البيت إلى ركام، والأم إلى شاهدة قبر، والطفل إلى مشروع شهيد. وتفهم أيضا أن أخطر ما يفعله الاستعمار ليس القتل المباشر فقط، بل محاولة كسر الوعي، وإقناع الضحية بأن مقاومتها عبث، وأن الاستسلام قدر.

لكن التاريخ أثبت أن الشعوب التي تتعرض للمجازر لا تموت بالضرورة، بل قد تولد من دمائها بصورة أكثر صلابة. فرنسا اعتقدت بعد مجازر 1945 أنها أخضعت الجزائر نهائيا، لكنها في الحقيقة صنعت جيلا كاملا لم يعد يؤمن إلا بالتحرير. وكذلك الاحتلال اليوم، كلما توسع في القتل داخل فلسطين، فإنه يراكم بذور الانفجار القادم، لأن الدم لا يصنع النسيان، بل يصنع الذاكرة.

الثامن من ماي ليس مجرد ذكرى جزائرية حزينة، بل درس إنساني عميق حول طبيعة القوة حين تنفصل عن الأخلاق. وهو أيضا تذكير دائم بأن الاستعمار قد يغير أدواته، لكنه لا يغير جوهره. من سطيف إلى غزة، يبقى السؤال نفسه يتردد في ضمير البشرية: كيف يستطيع العالم أن يتحدث عن حقوق الإنسان، بينما يقف عاجزا أو صامتا أمام مذابح ترتكب على مرأى الجميع؟

وربما لهذا السبب تحديدا، لا تزال الجزائر ترى في فلسطين امتدادا أخلاقيا لذاكرتها الوطنية، وترى في كل طفل فلسطيني صورة من أطفال سطيف وخراطة وقالمة. فالتاريخ الحقيقي لا يكتبه المنتصرون فقط، بل تكتبه أيضا دماء الذين رفضوا أن يعيشوا بلا كرامة.