جاري التحميل...

أحبُّ الخريف،،،،

بقلم شادي عياد

أحبُّ الخريف
لأنّه الفصل الوحيد الذي يملك شجاعة أن يقول للأشياء: كفى.

لا يستأذن ورقةً في الرحيل، ولا يستبقيها خشيةَ الفقد، ولا يجامل غصنًا لأنّه اعتاد أن يراها عليه.

يأتي في موعده،
كأنّه يعرف سرًّا لا تعرفه الفصول الأخرى:

وهو أنّ البقاء ليس فضيلةً في ذاته، كما أنّ السقوط ليس هزيمة.

ثم يبدأ عمله الصامت.

ورقةٌ تصفرّ
وأخرى تتشبث
وثالثةٌ تسبق الجميع إلى الأرض.

ولا يشرح الخريف شيئًا.

فهو لا يملك وقتًا للمرافعات.

يعرف فقط أنّ لكل ورقةٍ فصلًا، ولكل غصنٍ احتمالًا، ولكل شيءٍ في هذه الحياة لحظةً يصبح فيها التمسك به نوعًا من تأجيل الحقيقة.

وربما لهذا أحبّه.

لأنّه لا يقيس الأشياء بطول إقامتها،
ولا يمنح القديم حصانةً لمجرد أنّه قديم.
ولا يخلط بين الوفاء لما كان، وبين عبادة ما كان.

وهذه، في ظني واحدةٌ من أكثر الحكم قسوةً وضرورةً في حياتنا الفلسطينية.

فكم من شيءٍ أبقيناه لأننا أحببناه؟
لا لأنه ما زال صالحًا للبقاء.

وكم من شيءٍ منحناه عمرًا إضافيًا،
فقط لأننا خفنا من سؤالٍ بسيط:

ماذا لو كان أوانه قد انتهى؟

نحن نعرف كيف نحفظ الذاكرة، وهذه فضيلة.
لكننا أحيانًا نرتكب خطأً أشدّ خفاءً:
فنضع الذاكرة في مكان المستقبل، ونطلب من الغد أن يعيش بأثاث الأمس.

والغد لا يفعل ذلك.

الوطن ليس صندوقًا زجاجيًا نحرس داخله كل ما مرّ بنا.
الوطن كائنٌ حيّ،
وما دام حيًّا، فلا بد أن يتغير.

تتغير الوجوه،
وتتبدل الأدوار،
وتسقط أفكارٌ كانت ذات يومٍ ضرورة،
وتنتهي مراحل كانت ذات يومٍ قدرًا،
وتأتي أجيالٌ لا يجوز أن نطلب منها أن تحمل أثقالنا كلها باسم الوفاء.

فالوفاء الحقيقي ليس أن نحفظ كل شيء.

الوفاء أن نعرف ما الذي لا يجوز أن يسقط.

وهنا يصبح الخريف أكثر من فصل.

يصبح درسًا في البصيرة.

لأن الشجرة لا تتألم من سقوط الورقة التي انتهت مهمتها بقدر ما تتألم حين نخطئ نحن في معرفة الفرق بين الورقة والجذر.

فالورقة مهما كانت جميلة،
ومهما طال مقامها،
ومهما أحببنا ظلّها…

ليست جذرًا.

وهذه الجملة وحدها تكفي لتعيد ترتيب أشياء كثيرة في رؤوسنا.

ليس كل ما اعتدناه أصلًا.
وليس كل ما بقي طويلًا جديرًا بأن يبقى أطول.
وليس كل رحيل اقتلاعًا.

أحيانًا، يكون السقوط هو الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها الشجرة أن تستعيد خفّتها.

وأحيانًا لا يبدأ الربيع إلا بعد أن يتوقف أحدهم عن محاولة إنقاذ خريفه.

لكن فلسطين ليست ورقةً تسقط.

فلسطين هي الجذر.

الأرض التي لا تتبدل هويتها بتبدل المواسم،
والذاكرة التي لا تنتهي بانتهاء أصحابها،
والإنسان الذي لا يصبح عابرًا لأنه عاش زمنًا عصيبًا،
والوطن الذي لا يُقاس عمره بعمر مرحلة.

أما ما فوق ذلك،
فكلّه قابلٌ للسؤال.

الأسماء.
الأدوار.
الوسائل.
الاجتهادات.
الترتيبات.
وحتى ما نظنه اليوم ثابتًا، إذا عجز غدًا عن حمل الوطن، فلا ينبغي أن يتحول إلى عبءٍ مقدس.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشجرةٍ ليس أن تسقط أوراقها.

بل أن تنسى جذورها وهي تحاول أن تحافظ على أوراقها.

لهذا أحب الخريف.

أحب فيه تلك الحكمة النادرة التي لا تصرخ:

إنّه لا يهدم الشجرة كي يثبت قوته،
ولا يُبقي الورقة كي يثبت وفاءه.

إنه يفعل ما يجب أن يفعله الزمن حين يكون صادقًا:

يُسقط ما انتهى
ويحرس ما لم ينتهِ
ويترك للجذر مهمته القديمة: أن يحمل الشجرة إلى موسمٍ آخر.

ولعل فلسطين لا تحتاج اليوم إلى ذاكرةٍ أكثر مما تحتاج إلى بصيرة الذاكرة.
أن تعرف ما الذي تأخذه معها، وما الذي تودعه دون كراهية، وما الذي لا تسمح لأي فصلٍ أن يمسّه.

فالذين يعرفون قيمة الجذر
لا يخافون من سقوط الورق.

والذين يعرفون معنى الوطن
لا يخلطون بين تغيّر المشهد وثبات المعنى.

فصولٌ ستأتي.
وأوراقٌ ستسقط.
وأخرى ستنبت.

لكن الأرض…

الأرض لا تسقط.

وإذا بقي الجذر في مكانه،
فليس كل ما يتساقط من حولنا نهاية.

قد يكون الخريف، أحيانًا
هو الطريقة التي يتهيأ بها الوطن
لكي يعود إلى اخضراره…

بقلم شادي عياد