جاري التحميل...

أخلاقيات الصحافة بين القيم والمعايير: في التوتر الدائم بين الحقيقة والسلطة:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

منذ أن عرّف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الفضاء العمومي باعتباره المجال الذي تُختبر فيه العقلانية التواصلية وتتجسّد فيه إرادة النقاش الحر، احتلّت الصحافة مكانة محورية بوصفها الوسيط الذي يربط بين المعرفة والسلطة، وبين الحقيقة والرأي العام. فالصحافة ليست مهنةً محايدة كما يُخيّل للبعض، بل هي مسؤولية أخلاقية، تتقاطع فيها قيم الحرية مع معايير النزاهة، وتتأرجح دائمًا بين واجب قول الحقيقة وإغراء الخضوع للسلطة.
لقد بيّن جون ستيوارت ميل في دفاعه عن حرية التعبير أن المجتمع الذي يُكمّم الأفواه يقتل إمكانيات التقدّم العقلي والإنساني، وأن الحرية ليست امتيازًا لفرد، بل حقّ للجماعة بأسرها في الوصول إلى الحقيقة. غير أنّ الحرية الصحفية إذا لم تُضبط بأخلاقيات المسؤولية، قد تنزلق إلى التلاعب بالمعلومة وتشويه الوعي، كما حذّر جاك دريدا حين رأى أنّ اللغة يمكن أن تكون أداة للتحرير أو للاستلاب.
١ ـ بين القيمة والمعيار:
الأخلاق الصحفية تتوزّع بين القيم الجوهرية مثل: الصدق، العدالة، احترام الكرامة الإنسانية، وبين المعايير المهنية مثل: التحقق من المصادر، عدم الخلط بين الخبر والرأي، الموضوعية، والاستقلالية عن الدوائر السياسية والاقتصادية. ولئن كانت القيم تنتمي إلى الأفق الميتافيزيقي أو الأخلاقي الذي يحكم الضمير الإنساني، فإن المعايير تمثل تجلّيات عملية، أي “ترجمة إجرائية للقيم”، بحسب تعبير ماكس فيبر حين فرّق بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية.
٢ ـ الصحافة والسلطة: جدلية الانكشاف والحجب.

لقد أيد عدد كبير من المفكرين والإعلاميين العرب أهمية الصحافة:
امثال:
١. نجيب محفوظ: اعتبر أن الصحافة هي “ذاكرة الأمة ولسانها”، فهي التي تحفظ الوقائع وتنقلها للناس وتتيح الحوار بين السلطة والشعب.
٢. محمد حسنين هيكل: شدّد مراراً أن الصحافة ليست مهنة خبر فقط، بل هي “صناعة وعي”، والوعي هنا أهم من أي سلعة أخرى.
٣. إدوارد سعيد (المفكر الفلسطيني الأمريكي): رأى أن الإعلام جزء من المقاومة الثقافية، فهو الذي يكشف صورة الشعوب ويمنحها القدرة على الدفاع عن نفسها أمام الهيمنة الغربية.
٤. غسان كنفاني: أكّد أن الصحافة سلاح في يد المثقف الملتزم، تفضح الاستعمار وتوقظ الناس على قضاياهم.
ومنذ مقولة ميشيل فوكو بأن “الحقيقة مرتبطة دوماً بعلاقات القوة”، بات واضحاً أن الصحافة لا تتحرك في فراغ، بل داخل شبكة معقدة من الضغوط السياسية والاقتصادية والإيديولوجية. هنا يتجلّى الامتحان الأخلاقي: هل تكون الصحافة أداة تكريس للهيمنة، أم سلطة مضادة تفضح المستور وتعيد الاعتبار للضعفاء؟ هذا السؤال يزداد إلحاحًا في زمن الإعلام الرقمي، حيث تُغرقنا فيضانات الأخبار الكاذبة وتُحوِّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءٍ ملتبس بين الحرية والفوضى.
٣ ـ مسؤولية الكلمة وأمانة المعنى
الصحفي، في جوهر مهمته، أشبه بما وصفه ألبرت كامو عن الكاتب بأنه “شاهد على عصره”، لا مجرد راوٍ محايد. فالكلمة الصحفية ليست مادة للاستهلاك العابر، بل هي فعل وجودي قد يرفع إنسانًا أو يسحق أمة. في الثقافة العربية، شدّد محمد عابد الجابري على أنّ العقلانية النقدية لا تستقيم إلا بحرية الإعلام وشفافية المعلومة، فيما رأى مالك بن نبي أن النهضة تبدأ بتحرير الوعي من الأكاذيب المُصنّعة التي تُكرّس القابلية للاستعمار.
٤ ـ نحو ميثاق أخلاقي معاصر:
تتطلّب أخلاقيات الصحافة اليوم إعادة صياغة ميثاق قيمي عالمي، لا يقوم فقط على الحياد الإخباري، بل على:
١ _ الشفافية: كشف مصادر المعلومات دون التلاعب.
٢ _ المسؤولية الاجتماعية: إدراك أن الإعلام ليس سلعة، بل خدمة عمومية.
٣ _ احترام التعددية: فتح المنابر أمام مختلف الأصوات، وعدم تكريس الإقصاء.
٤_ مقاومة التضليل: مواجهة الأخبار الزائفة والخطاب الشعبوي الذي يلتهم الحقيقة.
_خاتمة:
إنّ الصحافة، في أعمق جوهرها، ليست حرفة مهنية فحسب، بل هي ضمير جمعي، وميزان دقيق بين حقيقة يجب أن تُقال وسلطة تريد أن تُخفي. وإذا كانت الفلسفة، كما قال سقراط، هي “محبة الحقيقة”، فإن الصحافة هي “الوسيط الأخلاقي” الذي يُترجم تلك المحبة إلى فعل اجتماعي. وبين القيم والمعايير، تبقى الكلمة الصحفية سيفاً ذا حدّين: إمّا أن تُبنى بها حضارة وعي، أو تُهدم بها جسور الحقيقة.