بقلم : عماد خالد رحمة
ليست الكتابة من تحت الركام ترفاً أدبياً، ولا محاولةً لتجميل المأساة بالكلمات؛ إنها فعل مقاومة للغياب، وشهادة إنسانية في وجه عالمٍ يتسع فيه الخراب، وتضيق فيه مساحة الإصغاء إلى الضحايا. فمن قلب غزة، حيث تتنازع الحياة والموت على ما تبقّى من المكان والذاكرة، تنبع هذه النصوص لتقول إن الإنسان، وإن حاصرته الحرب، لا يفقد حقه في الحلم، ولا تسقط عن ذاكرته أسماء الذين رحلوا.
في هذا الجزء السادس من «أصوات من تحت الركام»، تتجاور الشهادة والسرد والقصيدة، وتتعدد الأصوات، لكن الوجع واحد؛ من معاناة ذوي الإعاقة تحت وطأة النزوح، إلى صباحاتٍ استبدلت تغريد العصافير بأصوات الانفجارات، ومن ذاكرة التراث الفلسطيني المحفوظة في الثوب والزيتونة ورائحة الزعتر، إلى القدس بوصفها هويةً لا تنطفئ، وأطفالٍ سُلبوا طمأنينة الطفولة، وأمهاتٍ وآباءٍ يحملون في صدورهم أسماء الغائبين.
ليست هذه النصوص رثاءً للماضي فحسب، بل مساءلةٌ للحاضر، واستنقاذٌ للمعنى من بين الأنقاض. إنها تذكّرنا بأن الحرب لا تنتهي بمجرد انقطاع القصف؛ فثمة حروب تظل مشتعلة في الذاكرة، وفي البيوت المفقودة، وفي أرواح الناجين الذين يتعلمون كيف يحملون ما لا يُحتمل.
هنا، لا يكتب أصحاب النصوص عن غزة من خارج جرحها، بل يمنحون الجرح صوتاً، والذاكرة لغةً، والأمل شكلاً من أشكال البقاء. ولعل القيمة الأعمق لهذه الشهادات أنها لا تطلب من العالم شفقةً عابرة، بل تستنهض ضميره، وتدعوه إلى رؤية الإنسان وراء الأرقام، والحكاية وراء الخبر، والحياة التي تصرّ على النهوض من تحت الركام.
*غزة ليست مجرد مكانٍ أصابه الخراب؛ إنها ذاكرةٌ تقاوم المحو، وإنسانٌ يتمسك بحقه في الحياة، وكلمةٌ تأبى أن تُدفن.