جاري التحميل...

أنطولوجيا الخوف ومغامرات العقل الأولى:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

لم يكن الخوف في البدايات انفعالاً عابراً يعتري الإنسان ثم ينقضي، بل كان واحداً من أعمق الشروط التي أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني ذاته. فمنذ أن خرج الإنسان الأول من كهف الغريزة إلى فضاء السؤال، وجد نفسه محاطاً بعالم غامض لا يملك مفاتيحه: سماءٌ ترعد، وبرقٌ يشقّ العتمة، وموتٌ يخطف الأحبة، وليلٌ يبتلع الأشياء، وطبيعةٌ تبدو أحياناً كقوة عمياء لا يمكن التنبؤ بمساراتها. ومن قلب هذا العجز ولدت الأسئلة الأولى، وربما كانت الفلسفة في أحد أصولها البعيدة محاولةً لتحويل الخوف من مجهولٍ مرعب إلى مجهولٍ قابلٍ للفهم.
كان الإنسان القديم يخاف قبل أن يعرف كيف يسأل، ثم تعلّم أن يسأل لأنه خاف. وهنا تكمن المفارقة المؤسسة للعقل: الخوف الذي كان يدفع الإنسان إلى الاحتماء من العالم، صار لاحقاً يدفعه إلى تفسير العالم. فالأسطورة لم تكن مجرد حكاية طفولية عن الآلهة والأبطال، بل كانت في جانب منها أول جهاز رمزي حاول الإنسان من خلاله أن يمنح الفوضى معنى، وأن يحوّل المجهول إلى صورة، والقوة الغامضة إلى اسم، والرعب إلى حكاية يمكن تداولها والسيطرة عليها رمزياً.

من هنا يمكن النظر إلى الأسطورة بوصفها أول مغامرة أنطولوجية للعقل؛ إذ لم يعد الإنسان يكتفي بأن يخاف البرق، بل أخذ يتساءل: ما البرق؟ ومن أين يأتي؟ ولماذا يضرب السماء والأرض؟ ولماذا يموت الإنسان؟ وماذا يوجد بعد الموت؟ وهكذا بدأ الانتقال البطيء من الخوف من الظاهرة إلى سؤال عن ماهية الظاهرة.
إن العقل لا يولد في الفراغ؛ إنه ينبت في المسافة المتوترة بين الإنسان والعالم. وكلما شعر الإنسان بأن العالم أكبر من قدرته على الإحاطة به، نشأ السؤال. ولذلك لم يكن السؤال الفلسفي الأول ترفاً ذهنياً، بل كان استجابة وجودية لحالة من القلق العميق. لقد كان الإنسان يريد أن يعرف لكي يطمئن، وأن يسمّي الأشياء لكي يخفف من غربتها، وأن يمنحها نظاماً لكي يستعيد شيئاً من شعوره بالسيطرة.

ولعل الموت كان أعظم معلمٍ صامت للفكر. فالإنسان هو الكائن الذي لا يموت فحسب، بل يعرف أنه سيموت. ومن هذه المعرفة المرعبة تشكل جزء جوهري من الوعي بالذات. إن الحيوان يعيش الموت بوصفه واقعة، أما الإنسان فيعيش الموت بوصفه احتمالاً مستقبلياً يسكن حاضره. ومن هنا نشأت الطقوس، والدفن، والأساطير، والمعتقدات المتعلقة بالعالم الآخر، ثم تطورت الأسئلة إلى قضايا فلسفية كبرى حول النفس والزمن والوجود والعدم.
لقد كان الخوف، بهذا المعنى، أحد الأبواب الأولى التي دخل منها الإنسان إلى الميتافيزيقا.

غير أن العقل لم يلبث أن بدأ يتحرر تدريجياً من سلطة الحكاية. فبدلاً من أن يسأل: «أيُّ إلهٍ صنع هذا؟» بدأ يسأل: «ممَّ يتكوّن هذا؟» وبدلاً من أن يردّ الظواهر كلها إلى إرادة قوى غيبية، شرع في البحث عن مبادئ داخل الطبيعة نفسها. وهنا تبرز أهمية الفلسفة اليونانية المبكرة، لا باعتبارها بداية مطلقة للعقل، فالحضارات الإنسانية السابقة كانت تمتلك أشكالاً عميقة من التفكير والمعرفة، وإنما باعتبارها لحظة تاريخية مميزة انتقل فيها السؤال تدريجياً من الميثوس إلى اللوغوس.

مع طاليس وأناكسيمندر: وأناكسيمينس وغيرهم، أخذ العقل يغامر في منطقة جديدة: البحث عن مبدأ يفسر العالم من داخل العالم. لم يعد السؤال مجرد بحث عن القوة التي تقف خلف الظاهرة، بل عن البنية التي تجعل الظاهرة ممكنة. وهكذا بدأ العقل يكتشف أن الكون ليس بالضرورة مسرحاً لقوى اعتباطية، بل يمكن أن يكون نظاماً قابلاً للفهم.
كانت تلك لحظة ثورية في تاريخ الوعي.

فالانتقال من الأسطورة إلى العقل لم يكن إلغاءً مفاجئاً للأسطورة، بل كان إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بالمجهول. لقد ظل المجهول قائماً، لكن طريقة التعامل معه تغيّرت. لم يعد الإنسان يواجهه بالخوف وحده، بل بالسؤال، والملاحظة، والتأمل، والبرهان. وبذلك تحوّل الخوف تدريجياً من قوة تشلّ العقل إلى طاقة تحرّك العقل.
غير أن الخوف لم يختفِ حين ظهر العقل؛ لقد غيّر شكله فقط.

فالإنسان الحديث، رغم المختبرات والجامعات والمراصد والتكنولوجيا، لا يزال يخاف الموت، والوحدة، والمجهول، وفقدان المعنى، وانهيار المستقبل. بل إن اتساع المعرفة قد يفتح أحياناً أبواباً جديدة للقلق. كلما عرف الإنسان أكثر، اكتشف اتساع ما لا يعرفه. ومن هنا تبدو المعرفة نفسها مغامرة مزدوجة: إنها تمنحنا القدرة على الفهم، لكنها تكشف لنا في الوقت ذاته حجم الجهل الكامن خلف حدود الفهم.
ولذلك فإن أنطولوجيا الخوف لا تبحث في الخوف باعتباره انفعالاً نفسياً فحسب، وإنما بوصفه تجربة وجودية تكشف علاقة الإنسان بالعدم والمجهول والمصير والآخر والعالم. فالخوف يقول لنا شيئاً عن الإنسان أكثر مما يقول عن الشيء الذي يخافه. إنه يكشف هشاشته، وحدوده، وحاجته إلى المعنى، ورغبته العميقة في تحويل الفوضى إلى نظام.
لقد بدأ الإنسان، ربما، خائفاً من الظلام؛ ثم اخترع النار. خاف من البرق؛ فراح يبحث عن قوانين الطبيعة. خاف من الموت؛ فابتكر الطقوس والأساطير والفلسفات. خاف من الوحدة؛ فأنشأ الجماعة واللغة والحكاية. خاف من المجهول؛ فابتكر السؤال.

وهكذا يمكن القول إن مغامرات العقل الأولى لم تكن انفصالاً عن الخوف، بل كانت إحدى صوره الأكثر رقياً.

فالإنسان لا يصبح عاقلاً حين يتوقف عن الخوف، وإنما حين يستطيع أن يحوّل خوفه إلى سؤال، وسؤاله إلى معرفة، ومعرفته إلى معنى، ومعناه إلى مسؤولية. وفي هذه المسافة بين الرعب والسؤال بدأت رحلة طويلة لم تنتهِ بعد.
إن تاريخ العقل، في أحد وجوهه العميقة، هو تاريخ الإنسان وهو يتعلم كيف يسكن المجهول دون أن يستسلم له.

ولعل أعمق انتصار للعقل ليس أن يقضي على الخوف، فهذا مستحيل، وإنما أن يمنحه لغةً؛ لأن ما نستطيع أن نسميه نستطيع أن نفكر فيه، وما نستطيع أن نفكر فيه نستطيع أن نعيد بناء علاقتنا به.
من هنا يبدأ العقل.
ومن هنا أيضاً تبدأ الفلسفة.