أهم الأصول الفكريّة وتفريعاتها عند السلفيين:

د. عدنان عويّد:

1- مختصر الدراسة.

2-  التوحيد.

3- القضاء والقدر.

4- الاتباع

5- كثرة الاستدلال بالكـتـاب و السنة.

6-  تقديم النقل علي العقل.

7- التزكية.

8- الخاتمة.

أولاً – مختصر الدراسة:

لا تهدف هذه الدراسة إلى نقد الأصول الفكريّة للخطاب السني السلفي, وهذا ما سنقوم به في دراسات لا حقة, ولكن ما يهمنا هنا هو عرض أهم هذه الأصول وكيف تتجلى في الفكر والممارسة عند القوى السلفيّة, ويأتي في مقدمة هذه الأصول مسألة التوحيد, التي يجدون فيها بأن كل شيء مخلوق لله, وهو متفرد في وجوده ولا شيء يشبهه في هذا الكون. ثم تأتي المسألة القضاء والقدر, فالإنسان عندهم قد فقد إرادته وقدرته على تحقيق مصيره, فكل شيء يقوم به لا شأن له فيه, وهو مقدر له ومسجل في لوح محفوظ. وفي المسألة الاتباع, يعتبرون الرسول مُبلغ عن ربه, وأنه قد جاء بوحيين : القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه, والطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر, فهي للرسول وحده, ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه. أما رأيهم في قضية كثرة الاستدلال بالكـتـاب و السنة. فالمقصود منها بأن مسائل الدين, في أصولها وفروعها, تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل, فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي. والوحي يجسد في القرآن والحديث. وفي قضية تقديم النقل علي العقل  فالمقصود بالنقل, هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى ومن اتبعهم إلى يوم الدين, هي المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها٬ لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول٬ ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. أما التزكية فهي عندهم, إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏ والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح, وبأعمال القلوب والجوارح, وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل “قد افلح من زكاها وخاب من دساها”.

ثانياً – التوحيد:

السلفيون, أي ” أهل السنة والجماعة”, يؤمنون بوحدانية الله, وهو رب هذا الكون وخالقه. وبأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه, وهم بذلك يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. كما يوجبون الإيمان بها مجتنبين التشبيه, معتقدين أن الله لا يشبه شيئاً في صفاته صفات الخلق, ولا ذاته كذلك, كما ورد في القرآن: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). “سورة الشورى” (الآية- 11) .

كما يعتقدون أن الله وحده فقط هو المستحق للعبادة, ولا تصرف العبادة إلا له, ويُحبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً ومعبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل.

إن طبيعة التوحد وفق تصورهم ترى أن الأمور كلها من الله , وهذه رؤية تلغي النظر إلى الأسباب والوسائط. فهم كما أشرنا لا يرون الخير والشر إلا منه. وإن صُرف أي شيء من العبادة لغيره أو اتخذ من الخلق أنداداً ووسائط بينهم وبينه فهو شرك بالله . (1).

هكذا نرى أن عقيدة التوحيد لا تقف عند حدود الإيمان واليقين بالله فحسب, بل تمتد لتطبع الفكر الإسلامي بالنظر والتأمل والإدراك والوعي بهذا الإيمان واليقين بالله.

ثالثاً – القضاء والقدر:

إن مسألة القضاء والقدر من المسائل الإشكاليّة في تاريخ الخطاب السلفي, فمعظم الصراع السياسي والعقدي كانت مرجعياته الأساسيّة التبريريّة هي قضية القضاء والقدر.

إن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونيّة التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتميّة لكل ما يجري بالكون دون استثناء,. ومن السنن الكونيّة تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائيّة التي تُسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى هو من أوجد الكون وخلق ما فيه وما سيخلقه, وهو من يسيره بمشيئته أو بقضائه, بقوله وأمره إن أراد شيئاً قال كن فيكون, وبالسنن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.(2).

أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. أي هو مسجل ينتظر القضاء أو الحكم للتنفيذ. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب.(3)

وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس كما يقول بعض مشايخ السلفيّة وأئمتها, مسؤولون عن الطريقة التي يُسخرون بها ما أنعم الله به عليهم من نعم لا تُعـد ولا تحصى. وترتكز هذه المسؤوليّة وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتميّة أو ما نسميه بالسنن الكونيّة. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلـق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على  السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يُختار منها، ولا يختار إلا بإذنه تعالى.

يؤمن السلفيونً إذاً بالجبر على خيره وشره, وللجبر عندهم مراتبه وهي:

آ- العلم : هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء, بما كان وسيكون ومالم يكن .

ب- الكتابة : وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل  ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ  حتى قيام الساعة.

ت- المشيئة: يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته… وهم يفرقون بين المشيئة “الكونيّة”, والمشيئة “الشرعيّة”, فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً, فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه .

ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق, فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته, فذلك هو القدر, وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر, فذاك هو القضاء .(4). ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه, وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان, وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذه هي نظرية (الكسب) عند الشاعرة.

رابعاً – الإتباع:

يأتي الاتباع عند السلفيّة بالأمور التالية:

1- بأن الرسول مُبلغ عن ربه, وأنه قد جاء بوحيين : القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه. ويدخل في أقوال الرسول جميع أحكام التكاليف من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وأن الدين هو المنهج والطريق والصيغة العامة لسير البشرية وليس التقرب فحسب٬ والرسول هو المشرع بأمر الله٬ في جميع شؤون الحياة, وهو المعصوم عن الخطأ أو الذنب. (5).

2-  الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر, وهي للرسول, ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه ٬ ومن قدم قولا لأحد على قول الرسول فقد أساء وتعدى وظلم, وخالف الإجماع .ولا تكتمل هذه المتابعة إلا بكمال الحب له. ومما يُؤسف له في أوساط المسلمين, أنه قد ضعفت المتابعة٬ وخبا ذلك الحب لرسول الله, حيث راحت تظهر جملة من الأمراض الفقهيّة التي تسيء لإطلاقية الإتباع ومنها:

أ)- القول بتجاوز التقليد المطلق .

بـ)- الإفتاء بغير علم ولا دليل, في أمور الشريعة وفي أمور الاعتقاد والغيبيات.

ج)- عرقلة طريق دراسة القرآن والسنة.

د) إيقاف العمل بالشريعة في كثير من النواحي.(6).

ملاك القول في هذا الاتجاه: إن رؤية السلفيّة في أحكام الشريعة الإسلاميّة  تتجسد في التالي: ضرورة وجوب إفراد الله بالحكم والتشريع, وان أحكام الشريعة الإسلاميّة الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. وأن من أشرك أحداً من خلقه سواء كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سلطان أو مجلساً تشريعيّاً أو أي شكل من إشكال السلطة المدنيّة فقد أشرك بالله. بيد أنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده هو تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو غرض دنيوي, وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية قوميّة كانت أو ليبراليّة أو يساريّة.

 خامساً – كثرة الاستدلال بالكـتـاب و السنة.

ما هو المقصود بكثرة الاستدلال بالكتاب والسنة عند السلفية؟. تقول السلفيّة بأن مسائل الدين, في أصولها وفروعها, تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل, فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي٬ لذا كان استنباط الأحكام من القرآن والسنة, وكذلك الاستدلال على تلك الأحكام من القرآن والسنة أيضاً وفقاً لأمر الشرع ذاته, متكئين في زعمهم هذا على الكثير من الآيات القرآنية كالآيات التالية: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). النساء(59). و(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). النور(51). و(وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). النساء). (61). وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم التي تشير إلى هذه الدلالات.

أما شواهدهم من السنة النبوية على هذه المسألة,, فقد اتكأوا على جملة من الأحاديث منها: (ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه…) .رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني. و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من هذه الأحاديث التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً.

إن هذا الموقف العقدي من النص المقدس, يدفع السلفيين إلى الرجوع بشكل دائم ومستمر للنص الديني المقدس بحثاً عن ضالتهم لحل ما يطرحه عليهم التطور الاجتماعي عبر التاريخ وشرعنته, أي منحه الشرعيّة, من مسائل مستجدة تلح على فقهاء السلفيّة إيجاد حلول لها. (7).

هذا وقد دفعهم إيمانهم المطلق بصلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان, أن يتمسكوا منهجياً بما أنزل الله وما قال به الرسول وإلى تبرير كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث انطلاقاً من قناعتهم بأن الوحي فيه النور والشفاء والهدى كما قال الله عز وجل : (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنيين ). يونس الآية (57). وقال الله أيضاً: (قد جاؤكم من الله نور وكتاب مبين). المائدة الآية (15).  بل إن بعض مشايخ السلفية قال: إن لذكر الآيات والأحاديث معجزة تأثيرية.(8).

 سادساً – تقديم النقل علي العقل:

إن المقصود بالنقل, هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمّة المرجع الأول والأخير في الشرع. و على علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها٬ لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول٬ ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. فكما أن القرآن والسنة والإجماع هي المصادر الأصليّة في التلقي, فإن العقل السليم والفطرة السليمة هي المصادر الفرعيّة التي يجب أن تسخر لفهم الدين. أي في تدبر القرآن والتفكر في آيات الله  كما أمرنا الله, لا يتخطاها ولا يتعداها, وهنا  يكون العقل تابعاً للشرع, ممتثلا لأوامره, ومجتنبا لنهيه, لا يعترض علي النص ولا يرده لهواه ولا يتوقف حتى يعلم الحكمة, فإن أحكم الحاكمين هو الذي أمر أو نهي, وأحكم الخلق أجمعين هو الذي بلغ.

أما ما أثاره بعض المتكلمين والفلاسفة من أن النصوص تخالف العقول وقدموا العقل علي النقل, لأن العقل عندهم أثبت من النقل الصحيح, فرد علماء الدين وفقهاء السلفية عليهم بقولهم : إن النصوص المقدسة في الأساس ثابته وصحيحة بالمطلق, ولذلك لا يمكن أن يحدث في الحقيقة تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح. (9).  فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض فهو أحد هذه الأمور:

1-  أن يكون النقل صحيحا صريحا, فما بزعمه بعض الفقهاء أو المتكلمين من أن الدليل العقلي يعارضه,  فهذا راجع لفساد هذا العقل٬ أو لتدخله فيما لا مجال له فيه من الأمور الغيبيّة٬ التي يكون الواجب فيها التسليم والانقياد.

2-  أن يكون النقل غير صحيح٬ فهو لا يصلح للمعارضة ولا يُحتج به .

3-  أن يكون النقل صحيحا غير صريح٬ وهذا في ظواهر الأمور الفرعيّة التي يُسوغ الاختلاف فيها بين أهل العلم, والتي عند النظر فيها يزول الإشكال .فالشرع قد يأتي بأمور تحتار العقول البشرية في إدراكها والإحاطة بها٬ لأنه لم يحدث أنها جاءت في أية حالة من الحالات التي نظر فيها الشرع من قبل, مثال : وجود الملائكة وصفاتها ووظائفها وأعمالها … الخ,  فهذا تحتار العقول في الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها, وهي أمور حقيقيّة ومعقولة كونها وردت في النص. لذلك هم يقولون لو كان الدين بالعقل لكان أول من يتبع عقله هو النبي محمد (ص), وهو أعقل العقلاء عند كل أهل الملّة الإسلاميّة, ومع ذلك قال له تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان, ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا, وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم.) الشورى 52. (10).

أما أبو حامد الغزالي فيقول عن أهمية دور العقل أمام النقل: إن النقل لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب،  ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يُعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.

وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل, لا يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة. (11).

سابعاً -التزكية:

التزكية في الفكر السلفي هي إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏

قال تعالى ممتناً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين.). (سورة الجمعة- الآية -2)

والتزكي

ة هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح, وبأعمال القلوب والجوارح, وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل “قد افلح من زكاها وخاب من دساها”.     فالفلاح كل الفلاح لمن زكى نفسه وتعلم العلم وعمل به ودعا غيره لتعلمه والعمل به, ثم صبر على ما يلاقيه في  طريق الدعوة إلى الله. وهذا ما دعانا إليه الرسول الكريم أيضاً كما تقول السلفية. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) : (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم مجاهد ومنافق. أما العالم فيسأله الله يوم القيامة عن علمه فيقول: يارب تعلمت العلم وعلمته للناس في سبيلك , فيقول له الله عز وجل الله : كذبت, تعلمت ليقال انك عالم, وقد قيل, فيأمر الله فيأخذ إلى النار.).

والعبادات كلها – مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب بالخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل‏.‏ ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكرارها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله‏.‏(12)

ثامناً- الخاتمة:

هكذا يتبين لنا من خلال عرضنا لأهم الأصول الفكريّة في الخطاب السلفي السني, أنها أصول تشتغل على قضايا عقديّة مفارقة للواقع, وإن كانت تخاطب الإنسان, إلا أنها لا تريد له أن يفكر ويعمل خارج هذه الأصول, وبالتالي هي تسلبه عقله وحريّة إرادته وخلافته على هذه الأرض.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

[email protected]

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- 14- راجع في هذا الموضوع – الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ما هو تعريف التوحيد وما هي أنواعه؟- موقع طريق الإسلام ). ويراجع أيضاً 0 السلفية قواعد وأصول – د.أحمد رشوان – موقع : الإسلاميون.- 11/3/2014.

2- راجع في هذه المسألة : “رسالة في القضاء والقدر”. موقع داء الإيمان.

3- رسالة في القضاء والقدر”.   المرجع نفسه .

4- رسالة في القضاء والقدر”.   المرجع نفسه

5- يراجع في مسألة الإتباع – قراءة في كتاب ” السلفية قواعد وأصول” للشيخ احمد فريد- شبكة أنا مسلم للحوار الإسلامي. ويراجع أيضاً : السلفية قواعد وأصول – د.أحمد رشوان – موقع : الإسلاميون.- 11/3/2014.

6- المرجع نفسه.

7- يراجع في هذا الاتجاه – مقال: القرآن والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة- عن موقع – إسلام ويب – صوتيات .

8- يراجع – السلفية قواعد وأصول – د.أحمد رشوان – موقع : الإسلاميون.- 11/3/2014.

9- في العلوم الشرعيّة والفلسفيّة الإسلاميّة، القاعدة الأساسيّة هي أنه (لا يوجد تعارض بين “النقل الصحيح” (الوحي الثابت كالقرآن وصحيح السنة) و”العقل الصريح” (البداهة والفطرة السليمة).

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق-  ص 248.

11- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

12- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية : كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية-  عبد الرحمن عبد الخالق  – موقع ندوة الإيمان