تاريخ النشر: 29 أغسطس 2025
معهد القدس للاستراتيجية والأمن – JISS
البروفيسور إفرايم عنبار
مقدمة المقال: النشوة الإسرائيلية بعد الحرب
في مقال مطول نشره معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) بتاريخ 29 أغسطس 2025 بعنوان «أوهام التحول إلى قوة إقليمية»، يقدم البروفيسور إفرايم عنبار، الرئيس السابق للمعهد وأحد أبرز منظري الأمن القومي الإسرائيلي، مراجعة نقدية حادة للمزاج السياسي والعسكري السائد داخل إسرائيل بعد الحرب متعددة الجبهات التي اندلعت عقب أحداث 7 أكتوبر 2023.
ويقول عنبار إن النجاحات العسكرية التي حققتها إسرائيل خلال الحرب دفعت أعداداً متزايدة من الإسرائيليين إلى الاعتقاد بأن إسرائيل انتقلت إلى مرحلة جديدة وأصبحت «قوة إقليمية» قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفرض إرادتها على المنطقة.
لكن الكاتب يحذر بصورة واضحة من هذا التصور، معتبراً أن هذه الحالة تعكس «غطرسة قوة» ونشوة سياسية وعسكرية خطيرة تشبه إلى حد بعيد الحالة النفسية التي سادت إسرائيل بعد انتصار 1967، عندما اعتقدت القيادات الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أصبح لا يُهزم وأن إسرائيل باتت القوة المهيمنة في المنطقة، قبل أن تتعرض لاحقاً لصدمة كبرى في حرب أكتوبر 1973.
ويؤكد عنبار أن المبالغة في تقدير الإنجازات العسكرية، والاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده كافٍ لإعادة تشكيل الواقع السياسي في الشرق الأوسط، يمثل خطراً استراتيجياً كبيراً، لأن هذا النوع من التفكير يقود عادة إلى سوء تقدير الخصوم وإلى اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية متهورة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إيران: النجاح العسكري لا يعني نهاية التهديد
يرى عنبار أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران كانت بالفعل من أكثر العمليات جرأة وتعقيداً في تاريخ إسرائيل الحديث، وأنها حققت نتائج مهمة على مستوى الردع.
ويشير إلى أن إسرائيل نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، كما تمكنت من تصفية عدد من العلماء والقيادات المرتبطة بالمشروع النووي الإيراني، وهو ما يعتبره إنجازاً استخباراتياً وعسكرياً بالغ الأهمية.
لكن الكاتب يرفض اعتبار هذه الضربات نهاية للمشروع النووي الإيراني أو دليلاً على انهيار القدرة الإيرانية.
ويؤكد أن النظام الإيراني، إذا استمر في الحكم، سيعتبر ما جرى سبباً إضافياً للإصرار على إعادة بناء البرنامج النووي بصورة أكثر تطوراً وأكثر سرية.
كما يحذر من أن الظروف التي سمحت لإسرائيل بتنفيذ عملياتها في صيف 2025 قد لا تكون متاحة مستقبلاً، موضحاً أن إيران تسعى بالفعل للحصول على أنظمة دفاع جوي أكثر تطوراً، الأمر الذي سيجعل أي هجوم إسرائيلي لاحق أكثر صعوبة وتعقيداً.
ويضيف أن مشاركة الولايات المتحدة في أي عملية عسكرية مستقبلية ضد إيران ليست مضمونة، خصوصاً إذا تغيرت الإدارة الأمريكية أو تبدلت أولويات واشنطن الاستراتيجية.
ومن هنا يشدد عنبار على أن النجاح العسكري المؤقت لا يعني حسم الصراع مع إيران، ولا يمنح إسرائيل القدرة على فرض هيمنة إقليمية دائمة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سقوط الأسد: مكسب لإسرائيل وتركيا معاً
يتحدث المقال عن سقوط نظام بشار الأسد باعتباره أحد النتائج المهمة للحرب الإقليمية، موضحاً أن انهيار النظام السوري شكّل مكسباً مهماً لإسرائيل لأنه أدى إلى إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وفتح المجال الجوي السوري أمام الطيران الإسرائيلي للوصول إلى العمق الإيراني.
ويقول عنبار إن إسرائيل استغلت هذه الفرصة لتدمير أجزاء واسعة من الجيش السوري وللسيطرة على مناطق جديدة بهدف إنشاء منطقة عازلة تعزز أمنها.
إلا أن الكاتب يؤكد في الوقت نفسه أن الفراغ الذي نشأ في سوريا لم يخدم إسرائيل وحدها، بل سمح أيضاً لتركيا بتوسيع نفوذها بصورة كبيرة داخل الساحة السورية.
ويحذر من أن أنقرة نجحت في تثبيت قوى موالية لها داخل دمشق، الأمر الذي أدى إلى نشوء محور سنّي متشدد مستوحى من فكر جماعة الإخوان المسلمين.
ويرى أن هذا المحور يستمد قوته من النفوذ التركي ومن الدعم المالي والإعلامي القطري، ويعتبر أن قطر تمتلك أداة تأثير شديدة الخطورة تتمثل في شبكة الجزيرة، التي يصفها بأنها «قوة إعلامية هائلة» ألحقت ضرراً كبيراً بإسرائيل على المستوى الدولي.
ويشدد عنبار على أن صعود هذا المحور السني المتشدد يمثل تحدياً استراتيجياً خطيراً لإسرائيل لا يقل أهمية عن التهديد الإيراني.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
خلاف أمريكي – إسرائيلي حول مستقبل سوريا
يشير الكاتب إلى أن سوريا أصبحت أيضاً نقطة خلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة.
فبحسب المقال، تدعم واشنطن، إلى جانب تركيا، فكرة إعادة بناء دولة سورية مركزية موحدة، بينما تفضل إسرائيل نموذجاً مختلفاً يقوم على دعم الأقليات، وخصوصاً الدروز والأكراد.
ويرى عنبار أن إسرائيل تعتقد أن تفكيك سوريا إلى كيانات ضعيفة أو شبه مستقلة يخدم أمنها الاستراتيجي ويمنع ظهور دولة سورية قوية ومعادية على حدودها الشمالية.
لكن هذا التصور لا يتطابق مع الرؤية الأمريكية، ما يفتح الباب أمام احتكاكات سياسية متزايدة بين تل أبيب وواشنطن بشأن مستقبل سوريا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
لبنان: حزب الله لم ينتهِ
ينتقل المقال إلى الساحة اللبنانية، حيث يؤكد عنبار أن الضربات العسكرية التي تعرض لها حزب الله أضعفت الحزب بالفعل وأضعفت المحور الشيعي الذي تقوده إيران، لكنها لا تعني نهاية الحزب أو زوال نفوذه.
ويشير إلى أن النظام السياسي اللبناني لا يبدو مستعداً للمخاطرة بحرب أهلية أو بصدام داخلي شامل من أجل نزع سلاح حزب الله، حتى مع تصاعد الضغوط الأمريكية.
كما يؤكد أن إسرائيل تبالغ عندما تعتقد أن قوتها العسكرية تمكنها من إعادة تشكيل الواقع السياسي اللبناني أو فرض ترتيبات جديدة بالقوة.
ويرى أن لبنان سيبقى مصدر تهديد أمني لإسرائيل، وأن أي اعتقاد بإمكانية فرض استقرار دائم عبر التفوق العسكري فقط هو تصور غير واقعي.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الشرق الأوسط لم يتغير كما يعتقد الإسرائيليون
يشدد عنبار على أن الشرق الأوسط، رغم كل التطورات العسكرية والسياسية، لم يتغير في جوهره.
فالمنطقة، بحسب وصفه، ما زالت قائمة على الصراعات العنيفة والتنافس الإقليمي الحاد، وما زال استخدام القوة جزءاً أساسياً من قواعد اللعبة السياسية فيها.
كما يرى أن الشرق الأوسط لا يزال بيئة خصبة للتطرف الديني ولسباقات التسلح ولمشاريع الانتشار النووي.
ولهذا يرفض الكاتب الحديث الإسرائيلي المتصاعد عن «شرق أوسط جديد» تقوده إسرائيل، معتبراً أن هذه التصورات تعكس أوهاماً أكثر مما تعكس واقعاً حقيقياً.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
غزة: الساحة التي تحدد صورة المنتصر
يتوقف المقال مطولاً عند الحرب في غزة، معتبراً أنها تمثل الاختبار الحقيقي لصورة إسرائيل وقوتها.
ويقول عنبار إن الحرب لم تنتهِ بعد، وإن حركة حماس ما زالت تسيطر على أجزاء من القطاع، حتى وإن تقلصت مساحة سيطرتها.
كما يشير إلى أن التردد الإسرائيلي في احتلال القطاع بالكامل، إضافة إلى تعقيدات ملف الأسرى، أدى إلى إطالة أمد الحرب وإلى استنزاف إسرائيل سياسياً وعسكرياً وإعلامياً.
ويؤكد الكاتب أن بقاء حماس داخل مدينة غزة سيُفسَّر في العالم العربي والإسلامي باعتباره انتصاراً لمحور «المقاومة»، وسيعزز الاعتقاد بإمكانية استنزاف إسرائيل ومنعها من تحقيق انتصار حاسم.
بل إن عنبار يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن إسرائيل تبدو حالياً «مرهقة وعاجزة» عن تحقيق نصر كامل على تنظيم مسلح داخل منطقة صغيرة ومحاصرة، وهو ما يتناقض جذرياً مع صورة «القوة الإقليمية» التي تحاول إسرائيل ترسيخها.
ويشدد على أن غزة ستكون الساحة التي سيتشكل فيها الانطباع النهائي حول من انتصر في الحرب ومن فشل.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إسرائيل دولة صغيرة وحدود القوة واضحة
من أهم محاور المقال حديث عنبار عن الطبيعة البنيوية للدولة الإسرائيلية.
فهو يذكّر الإسرائيليين بأنهم يعيشون في دولة صغيرة جداً من حيث المساحة وعدد السكان، وأن إسرائيل لا تمتلك العمق الجغرافي أو الديموغرافي الذي تمتلكه القوى الإقليمية الكبرى.
ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يحتاج باستمرار إلى موارد بشرية كبيرة، في حين أن المجتمع الإسرائيلي محدود الحجم مقارنة بالمحيط الإقليمي.
كما يؤكد أن الاقتصاد الإسرائيلي، رغم قوته التكنولوجية وتطوره، غير قادر على تلبية جميع الاحتياجات الاستراتيجية والعسكرية بصورة مستقلة.
ولهذا تعتمد إسرائيل بصورة دائمة على الأسواق العالمية وعلى الواردات الخارجية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الدولية وللضغوط السياسية والاقتصادية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الاعتماد على الولايات المتحدة «وجودي»
يشدد الكاتب على أن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست مجرد تحالف سياسي أو عسكري عادي، بل هي علاقة ذات طابع وجودي بالنسبة لإسرائيل.
ويقول إن سوق السلاح العالمي لا يخضع فقط لقوانين العرض والطلب، بل تحكمه اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، وهو ما يجعل إسرائيل بحاجة دائمة إلى الغطاء الأمريكي.
كما يحذر من التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً تزايد الأصوات داخل الحزب الديمقراطي المطالبة بتقييد الدعم العسكري لإسرائيل.
ويرى عنبار أن هذا التطور يجب أن يثير قلقاً حقيقياً داخل إسرائيل، لأن استمرار التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي يعتمد بصورة مباشرة على الدعم الأمريكي أمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إسرائيل وسط فضاء إسلامي واسع ومعادٍ
يلفت المقال إلى أن إسرائيل تعيش داخل فضاء إسلامي ضخم يضم نحو 1.5 مليار مسلم.
ورغم أن العالم الإسلامي ليس موحداً، ورغم وجود خلافات عميقة بين دوله، فإن الكاتب يرى أن مشاعر العداء تجاه إسرائيل ما زالت قوية داخل قطاعات واسعة من هذا العالم.
كما يعتبر أن تركيا تحاول تعبئة هذا الفضاء الإسلامي ضد إسرائيل عبر خطاب سياسي وديني متصاعد.
ويرى أن هذا الواقع يفرض على إسرائيل أن تتعامل بحذر شديد مع محيطها الإقليمي، لا أن تنجرف وراء أوهام الهيمنة والسيطرة المطلقة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
اتفاقيات السلام ليست ثابتة أو مضمونة
يشير عنبار إلى أن اندماج إسرائيل في المنطقة عبر اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، واتفاقيات أبراهام، والعلاقات مع دول آسيا الوسطى، ليس أمراً مضموناً أو دائماً.
فاستمرار هذه العلاقات، بحسب المقال، يعتمد على ميزان القوى وعلى المصالح السياسية وعلى مستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل.
ويؤكد أن هذه المعطيات قابلة للتغير، وأن إسرائيل لا تستطيع اعتبار هذه العلاقات حقائق ثابتة لا رجعة عنها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الانقسام الداخلي يضعف صورة إسرائيل
يركز المقال أيضاً على الانقسامات الحادة داخل المجتمع الإسرائيلي، سواء بسبب الخلافات المرتبطة بإصلاح القضاء أو بسبب الجدل حول ملف الأسرى والحرب.
ويرى الكاتب أن هذه الانقسامات تعكس صورة مجتمع منقسم وغير مستعد لتحمل أثمان الحروب الطويلة أو المشاريع السياسية التوسعية.
ويتساءل عنبار بصورة مباشرة:
«هل يستطيع مجتمع يعاني من هذا المستوى من الانقسام الداخلي أن يرسل أبناءه وبناته للقتال من أجل أهداف إقليمية بعيدة المدى كما تفعل القوى الكبرى؟»
ويعتبر أن غياب التماسك الوطني يمثل نقطة ضعف استراتيجية تحد من قدرة إسرائيل على لعب دور قوة إقليمية مهيمنة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الخاتمة: دعوة إلى التواضع والحذر
في ختام مقاله، يؤكد إفرايم عنبار أن إسرائيل حققت بالفعل إنجازات عسكرية وتكنولوجية وسياسية كبيرة، لكنها تعرضت أيضاً خلال تاريخها لإخفاقات استراتيجية وعسكرية خطيرة.
ولهذا يدعو إلى التخلي عن أوهام العظمة والتفوق المطلق، وإلى تبني مقاربة أكثر تواضعاً وواقعية في فهم حدود القوة الإسرائيلية.
كما يشدد على أن أهم فضيلة في العلاقات الدولية، وفق المدرسة الواقعية، هي «الحذر»، لا الاندفاع خلف أوهام الهيمنة أو الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على إعادة تشكيل الشرق الأوسط.









