في زمنٍ تُقاس فيه الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، يغدو السؤال عن طبيعة الوعي العربي سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فبين تراكمٍ شكلي للمعارف وعجزٍ عن تفعيلها، تتكشّف أوهامٌ تُخفي فراغاً عميقاً في بنية العقل، وتؤجّل لحظة المواجهة مع الذات والتاريخ.
تبدو المعرفة، في سياقها الإنساني العميق، أكثر من مجرد تراكم معلومات أو استظهار نظريات؛ إنها، في جوهرها، فعل اقتحام للعالم، وتمزيق لحجب المألوف، وإعادة تركيب للوجود وفق منطق السؤال لا منطق الطمأنينة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التفوق الحضاري لا يمكن فصله عن تلك الثنائية الحاسمة التي صاغها فرنسيس بيكون حين قرن المعرفة بالقوة، لا بوصفها ترفاً ذهنياً، بل باعتبارها أداة للهيمنة، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم.
لقد أدرك الغرب، منذ انبثاق عصر النهضة، أن المعرفة ليست انعكاساً سلبياً للواقع، بل مشروعاً نشطاً للسيطرة عليه. ولم يكن انتقاله من الظلام السكولائي إلى أفق عصر التنوير مجرد تحوّل فكري، بل انقلاباً أنطولوجياً أعاد تعريف الإنسان بوصفه مركزاً للكون، لا تابعاً له. وهنا، تتبدّى أهمية التحولات التي دشّنها رينيه ديكارت حين زعزع يقين الحواس، وأعاد بناء المعرفة على أساس الشك المنهجي، فاتحاً بذلك الباب أمام عقلانية نقدية لا تقبل المسلّمات.
في المقابل، لم تكن المعرفة الغربية معزولة عن سياقها السياسي؛ بل ارتبطت عضوياً بتشكّل الدولة الحديثة، كما نظّر لذلك كارل شميت، حيث تماهت السيادة مع القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها. ولم يغفل يورغن هابرماس هذا الترابط حين حلّل موقع الدين في المجال العام، مبرزاً أن الحداثة لم تلغِ المقدّس بقدر ما أعادت تأطيره ضمن بنية عقلانية تداولية.
إن الغرب، في بنيته المعرفية، لم يكتفِ بتفكيك الأسطورة، بل حوّل العالم إلى موضوع للفحص الدقيق: جغرافياً، لغوياً، أنثروبولوجياً. ومن هنا، نشأت تقاليد البحث، وأرشيفات المعرفة، ومراكز الدراسات التي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعمل على نمذجته، وإدخاله ضمن نسق قابل للفهم والتوظيف. المعرفة هنا ليست بريئة؛ إنها مشروع سلطة، لكنها سلطة مؤسسة على تراكم نقدي، وقدرة دائمة على مراجعة الذات.
أما في الفضاء العربي، فإن المشهد يبدو مختلفاً على نحو يثير القلق لا الدهشة. فالمعرفة، في كثير من تجلياتها، لم تتجاوز طور الاستهلاك أو الاستعادة، وبقيت أسيرة نمطين: ماضٍ مُقدّس لا يُمسّ، أو حاضر مستورد لا يُفهم. وهكذا، تشكّلت بنية معرفية هجينة، تفتقر إلى روح التساؤل، وتعاني من عجز بنيوي في إنتاج المعنى.
إن الأزمة لا تكمن في غياب المعلومات، بل في غياب الفعل المعرفي ذاته: أي القدرة على تحويل المعطى إلى سؤال، والموروث إلى موضوع نقد، والمستورد إلى مادة للفحص لا للتقليد. فالمؤسسات الأكاديمية، في كثير من الأحيان، تحوّلت إلى فضاءات لإعادة إنتاج المعرفة لا لخلقها، وإلى معامل لتفريخ الشهادات لا لتوليد الأفكار. إنها بيروقراطية العقل، حيث تُختزل المعرفة إلى وظيفة، والبحث إلى واجب شكلي.
والأخطر من ذلك، أن هذه البنية المعرفية تعيش وهم الاكتمال؛ إذ يُنظر إلى كثير من القضايا بوصفها محسومة، لا تحتمل الجدل أو المراجعة. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: في الوقت الذي انشغل فيه الغرب بنقد أسس معرفته، ما زال العقل العربي متردداً في مساءلة ما تلقّاه، كأن المعرفة يقين نهائي لا سيرورة مفتوحة.
لقد كانت الحضارة العربية، في لحظات ازدهارها، أكثر جرأة في طرح الأسئلة مما هي عليه اليوم. فقد شهدت عصورها الوسطى صراعات فكرية خصبة، أسهمت في إنتاج معرفة ديناميكية، منفتحة على الشك والتأويل. غير أن هذا الأفق انغلق تدريجياً، لتحلّ محلّه أنساق مغلقة، تُعيد إنتاج ذاتها دون قدرة على التجاوز.
ومن هنا، فإن وصف المعرفة العربية بأنها “مياه راكدة” ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف لوضعية معرفية فقدت روافدها النقدية. فهي معرفة لا تتدفق، لأنها لا تتغذى على السؤال؛ ولا تتجدد، لأنها تخشى التفكيك؛ ولا تنتج، لأنها أسيرة بنيات اجتماعية وثقافية تعيق حركتها، من القبيلة إلى البيروقراطية، ومن النخبوية المغلقة إلى السلطوية المقنّعة.
إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق عبر استيراد نماذج جاهزة، ولا عبر الاكتفاء بترجمة متأخرة لما ينتجه الآخر، بل يقتضي إعادة تأسيس جذرية لفلسفة المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست ما نعرفه، بل كيف نعرفه، ولماذا نعرفه، ولأي غاية ننتجه.
وهنا، يصبح الشك—لا اليقين—هو نقطة البداية، ويغدو النقد—لا التلقين—هو المنهج. كما تغدو الحرية شرطاً معرفياً لا سياسياً فحسب؛ إذ لا يمكن لعقل مقيّد أن ينتج معرفة حرة، ولا لمجتمع يخشى السؤال أن يبني مشروعاً حضارياً.
إن المعرفة، في نهاية المطاف، ليست ترفاً فكرياً، بل قدر حضاري. ومن لا يمتلك جرأة مساءلة ذاته، سيبقى أسير أوهامه، يدور في فلك ما لم يعد موجوداً، أو يقلّد ما لم يفهمه بعد. وبين هذا وذاك، تتبدّد الإمكانات، وتُهدر الطاقات، ويظل السؤال المؤجّل معلقاً: متى تتحول المعرفة العربية من وهمٍ ساكن إلى قوة فاعلة؟








