بقلم: د. صالح الشقباوي
إن اختزال الصراع مع إسرائيل في كونه صراعاً فلسطينياً ـ إسرائيلياً فقط لم يعد ينسجم مع التحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة. فالمسألة تتجاوز فلسطين لتلامس مستقبل الإقليم العربي والإسلامي وأمنه وسيادته.
لقد ارتبطت بعض التيارات الصهيونية الدينية والقومية المتطرفة بتصورات توراتية وتلمودية عن أرض تمتد من النيل إلى الفرات. ورغم أن هذه التصورات ليست سياسة إسرائيلية رسمية متفقاً عليها، فإن حضورها في خطاب اليمين المتطرف، وظهور خرائط توسعية في الخطاب السياسي الإسرائيلي، يثيران أسئلة جدية حول طبيعة المشروع الإسرائيلي ومستقبل المنطقة.
إسرائيل وإعادة تشكيل الإقليم
إن رسم معالم الإقليم بالقوة، والتدخل في سياسات الدول، وانتهاك سيادتها وأجوائها وأراضيها ومياهها، لم يعد أمراً يمكن اعتباره أحداثاً منفصلة.
والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في سوريا تؤكد أن إسرائيل لا تحصر نشاطها العسكري في فلسطين، بل تتحرك وفق حسابات أمنية واستراتيجية تمتد إلى محيطها الإقليمي. وهنا تبرز ضرورة وضع حد للتغول الإسرائيلي ومنع تحويل القوة العسكرية إلى وسيلة دائمة لفرض الإرادة السياسية والجغرافية على المنطقة.
غزة… نزيف لا يتوقف
وفي قلب هذا المشهد تبقى فلسطين، وغزة تحديداً، شاهدة على المأساة المستمرة. فمنذ السابع من أكتوبر، استمر قتل الفلسطينيين وتدمير المدن ومحاولات التهجير، في مشهد إنساني وسياسي بالغ الخطورة.
إن الشعب الفلسطيني لا يطلب المستحيل؛ إنه يطلب حقه الطبيعي في الحياة والحرية والأمن والدولة. ولا يمكن أن يتحول قتل المدنيين وتهجيرهم وتدمير مدنهم إلى أدوات لإعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي.
من فلسطين إلى الإقليم
إن استمرار إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها العسكرية خارج فلسطين يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام سياسة دفاعية محدودة، أم أمام محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها؟
إن تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية يهدد سيادة الدول واستقرار المنطقة، ويجعل من الضروري بناء رؤية عربية وإسلامية مشتركة تحمي استقلال دول المنطقة وحقوق شعوبها.
تصحيح بوصلة الصراع
لقد أثبتت التطورات أن اختزال الخطر في إيران وحدها، والترويج لها باعتبارها الخطر الحقيقي على الأمة العربية والإسلامية، لا يقدم قراءة متوازنة للمشهد.
وهذا لا يعني تجاهل الخلافات والمخاطر المرتبطة بالسياسات الإيرانية، وإنما يعني رفض تحويل إيران إلى ذريعة لحجب حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته التوسعية.
لقد أثبتت الوقائع أن إسرائيل نفسها تمارس سياسات عسكرية وأمنية تؤثر في فلسطين وسوريا والمنطقة بأسرها، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في بوصلة الصراع بعيداً عن التحريف والمبالغة.
الخلاصة
إن إسرائيل، وفق سياساتها وممارساتها، ليست قضية الفلسطينيين وحدهم. فالاحتلال والاستيطان واستخدام القوة خارج الحدود والتدخل في شؤون دول المنطقة تجعل القضية مرتبطة بالأمن القومي العربي والإسلامي كله.
ومن المحيط إلى الخليج، لا تحتاج المنطقة إلى صناعة أعداء وهميين، بل إلى رؤية استراتيجية عقلانية تحمي السيادة وترفض الاحتلال والتوسع والهيمنة.
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، وإنما على العدالة والاعتراف بحقوق الشعوب وسيادة الدول.
بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2