السياسي – شهدت قاعة الجمعية العامة، نقاشاً حاداً بين الدول الأعضاء حول موضوع إعادة انتخاب المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، لولاية ثانية بناءً على اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
وعقب مداولات اتسمت بالتوتر، صوتت الجمعية العامة لصالح مشروع قرار يقر تعيين مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الحالي لولاية أخرى مدتها أربع سنوات.
وكانت الجمعية العامة قد استحدثت منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان عام 1994. وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2022، وافقت الجمعية على تعيين فولكر تورك (النمسا) لولاية مدتها أربع سنوات، بدأت في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2022 وتنتهي في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2026. وفي وقت سابق من شهر تموز/ يوليو الجاري، اقترح الأمين العام إعادة تعيين تورك لفترة أربع سنوات أخرى، تبدأ في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 وتنتهي في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2030.
وتقع مسؤولية الموافقة على التجديد على عاتق الجمعية العامة، إلا أن الاجتماع المخصص لذلك شهد قدراً كبيراً من الجدل؛ فقد استُهل باقتراح أمريكي لتأجيل النظر في هذا التجديد، إذ قال ممثل الولايات المتحدة إن الفرصة المتاحة لإجراء “دراسة متأنية وجادة لهذا المنصب الرفيع والمهم” كانت “محدودة للغاية”. غير أن هذا الطلب قوبل بمعارضة ممثل أيرلندا، متحدثاً باسم الاتحاد الأوروبي، ورُفض في تصويت مسجل بنتيجة 63 صوتاً معارضاً مقابل 27 صوتاً مؤيداً، مع امتناع 47 عضواً عن التصويت.
ثم انتقلت الجمعية إلى مناقشة مقترح قدمه الاتحاد الروسي يقضي بتمديد تعيين تورك حتى نهاية عام 2026 فقط. وأشار المندوب الروسي إلى أن هذا النص، في حال اعتماده، سيؤدي إلى “مزامنة” فترة ولاية المفوض السامي مع فترة ولاية الأمين العام الحالي. وأضاف أن “تجديد ولاية السيد تورك لأربع سنوات كاملة سيحرم الأمين العام المقبل من فرصة تنفيذ رؤيته لسنوات قادمة”.
وعارضت ممثلة إسرائيل تجديد التعيين، قائلة إن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان قد “تبنى نهجاً يفتقر إلى المهنية ومدفوعاً بدوافع سياسية” في ظل ولاية تورك. وبالمثل، أعرب ممثل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية عن قلقه إزاء “النزعة المتزايدة لاستغلال قضايا حقوق الإنسان لأغراض سياسية”.
وفي سياق معارضته أيضاً لإعادة تعيين تورك لمدة أربع سنوات، شدد ممثل الولايات المتحدة على أن هذا الأمر يمثل “نموذجاً كلاسيكياً للمحسوبية داخل الأمم المتحدة”، حيث يقوم “أمين عام يوشك على مغادرة منصبه بإبرام صفقة خلف الكواليس لمنح صديقه القديم منصباً تنفيذياً مدته أربع سنوات”. وحذر من أنه “ستكون هناك عواقب” إذا ما “تسامحت” الجمعية مع “تجاوز الإجراءات المتبعة، والصفقات التي تُبرم خلف الكواليس، وإساءة استخدام مناصب الأمم المتحدة”.
وفي المقابل، كانت هناك وجهات نظر مغايرة؛ إذ أشار ممثل أيرلندا، متحدثاً باسم الاتحاد الأوروبي، إلى أن 81 يوماً، وهي المدة التي كان سيضيفها المقترح الروسي إلى ولاية تورك، تُعد “فترة وجيزة للغاية تكاد لا تُذكر”. وشدد على أن فترة قصيرة كهذه “تتعارض بوضوح مع طبيعة دور المفوض السامي ونطاق مهامه وأهميته”. كما ذكر أن قرار الجمعية العامة الذي استحدث هذا المنصب ينص على ولاية محددة مدتها أربع سنوات، مؤكداً أنها “أربع سنوات، وليست 81 يوماً”.
واتفق ممثلا أوروغواي والمكسيك على هذه النقطة، حيث أضاف ممثل المكسيك أن تورك قد أنجز “عملاً قوياً وبناءً على رأس المفوضية”. وأعرب كلا المندوبين عن تأييدهما لاقتراح الأمين العام بتجديد ولاية تورك لمدة أربع سنوات، وهو ما فعله أيضاً ممثل فرنسا، الذي أكد أن تورك كان “صوت ضمير، يواجه الدول بالواقع وبمسؤولياتها” طوال فترة ولايته.
ثم رفضت الجمعية اقتراح الاتحاد الروسي بتجديد الولاية لفترة أقصر، وذلك في تصويت مسجل أسفر عن معارضة 71 دولة وتأييد 19 دولة، مع امتناع 52 دولة عن التصويت.
ومع ذلك، وافقت الجمعية على تجديد تعيين تورك مفوضاً سامياً لحقوق الإنسان لمدة أربع سنوات، تبدأ في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 وتنتهي في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2030، وذلك في تصويت مسجل أيدته 144 دولة وعارضته 10 دول، هي: الأرجنتين، وبوركينا فاسو، وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، وإسرائيل، ومالي، ونيكاراغوا، والنيجر، والاتحاد الروسي، وترينيداد وتوباغو، والولايات المتحدة، مع امتناع 13 دولة عن التصويت.
وبعد التصويت، أعرب ممثلو الإكوادور وإيران وباراغواي عن أسفهم لعدم تأجيل قرار اليوم، نظراً لعدم توفر الوقت الكافي للوفود لمراجعة اقتراح الأمين العام والتوصل إلى توافق في الآراء. وقال ممثل بيرو إن وفده امتنع عن التصويت لأن هذه الخطوة قد تحد من “هامش المناورة” المتاح للأمين العام المقبل.