جاري التحميل...

إعادة هندسة القرار الأمريكي تجاه إيران: ماذا تكشف الخيارات الثلاثة في لقاء ترامب–نتنياهو المغلق؟

باحث في العلاقات الدولية

اللقاء الثامن الذي جمع الحليف الموثوق مع الداعم الاول لاسرائيل في العالم؛ يوم الثلاثاء الموافق 28 تموز يوليو، لم يكن مجرد محطة جديدة لتواصل سياسي او مجاملة عابرة. بل لقاءً تقييمياً ينعقد في مرحلة سياسية حاسمة للطرفين؛ تتصدره مناقشة قضايا شائكة لرسم معالم الاتجاه القادم في ملفات الشرق الاوسط العالقة، وفي مقدمتها اتجاه الحرب مع إيران. عندما تصبح كل البدائل مكلفة، وفاتورة التردد في اتخاذ القرار قد تكون اعلى من تكلفة اتخاذه؛ فإن من شأن ذلك ان يفرض على الاطراف إعادة تقييم الخيارات المتاحة.

في هذا السياق، تبدو الخيارات الثلاثة التي نوقشت في البيت الأبيض ليست بدائل متناثرة، بل بمثابة مصفوفة متسقة ومتدرجة ضمن سياسة الضغط الاقصى التي يمارسها ترامب ضد إيران، بما في ذلك الدبلوماسية القسرية، طالما بقيت المفاوضات متعثرة. مع الاخذ بعين الاعتبار ان رد الفعل والتقدم على سلم الخيارات مصمماً في النقاش بناءً على سلوك طهران واحتكار ترامب للقرار النهائي، وليس وفقاً للرغبات الإسرائيلية.

وفقاً لتسريبات ادلى بها مسؤول اسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة هآرتس الاسرائيلية، فإن اللقاء المغلق الذي جمع ترامب بنتنياهو اتسم بالإيجابية؛ وشهد نقاشات تفصيلية وتقييم مستفيض للخيارات الثلاث المتاحة أمامهما فيما يتعلق بالحرب على إيران (1) التوصل إلى اتفاق (2) عدم التوصل إلى اتفاق، أو (3) تصعيد الضربات”، واضاف لمسؤول “لم يتطرق الحديث إلى مقترحات قدمها نتنياهو شخصياً، وأن القرار النهائي يعود إلى ترامب، ما لم تشن إيران هجوماً على إسرائيل أولاً.”

في المحور الاول الخاص بمناقشة قضية التوصل لاتفاق شامل ينهي الازمة من جذورها ويعالج كل الملفات العالقة بين الطرفين الايراني والامريكي؛ يبني ترامب هذا الخيار بناءً على ما يمكن ان تحققه القوة العسكرية. فإستراتيجية ترامب تقوم على المزج بين القوة العسكرية والدبلوماسية القسرية. بعبارة اخرى، استخدام اعلى درجات القوة العسكرية، الحصار الاقتصادي، الضغط وفرض العقوبات لإجبار العدو على تقديم تنازل والجلوس الى طاولة المفاوضات بشروط اقل مما كان عليه الوضع قبل التصعيد الحربي والاقتصادي. وعلى الرغم من ان هذا المسار أصبح مكلفاً من الناحية العسكرية والاقتصادية للجميع، لكنه في الوقت نفسه يجنب الولايات المتحدة الدخول في حرب استنزاف بلا نهاية، بدأت اولى ملامحها تظهر في النقص الكبير للصواريخ الدفاعية، ولن تتوقف على ما يبدو عند مستوى ارتفاع الاسعار والتضخم الاقتصادي في الداخل الامريكي.

في الواقع، يشير المشهد الامني والاقتصادي القائم على الارض ان هذا الخيار-الاكراه/الضغط الاستراتيجي؛ لم يحقق ايٍ من الاهداف التي يتطلع اليها ترامب؛ بعد حرب مدمرة استمرت قرابة الــ 40 يوماً. ومع فشل جولات المفاوضات الاخيرة في اسلام اباد بعد توقيع مذكرة التفاهم-إعلان المبادئ منتصف حزيران/ يونيو؛ زادت مساحة التباين في المواقف بين طرفي الحرب. وفي مقدمتها، التناقض في تفسير المادة الخامسة الخاصة بإدارة مضيق هرمز التي وردت في الاعلان. الى جانب؛ رفض طهران مقترحاً عُمانياً بصيغة نموذج “مضيق ملقا”، كما رفضت طهران ايضاً مقترح تسيير السفن التجارية عبر الممر الجنوبي للمضيق المحاذي للأراضي العمانية. بالتالي، فإن هذا الخيار على ما يبدو لن يحقق ما يريده ترامب مستقبلاً.

الخيار الثاني والمتعلق بتداعيات عدم التوصل لصيغه اتفاق “الجمود الاستراتيجي”. في الواقع ليس بالضرورة ان يكون عدم التوصل الى اتفاق شامل بين طرفي النزاع هو فشل في السياسية. بل يمكن اعتباره فترة اختبار لمدى قدرة تحمل ايٍ من الطرفين او كلاهما للإجراءات المضادة التي يتخذها كل طرف، ومدى تفوق ايٍ منهما على حشد الحلفاء وتعبئة الموارد بشكل يقلل من مساحة المناورة للخصم. من ناحية؛ ترى امريكا ان لديها تفوق على طهران في امتلاك وتعدد ادوات الضغط او الاكراه الاستراتيجي القادرة على تغيير سلوك قادة طهران. ترى الاخيرة ان امتلاكها مفاتيح هرمز -من بين ادوات القوة الاخرى، كافية لدفع ترامب لمراجعة خياراته.

بالتالي، فإن هذا الخيار لا يعكس حالة جمود في مسارات العمل السياسي او الدبلوماسي بقدر ما يعكس توجه نحو سياسة إدارة الازمة بين الطرفين. ومع قناعة قادة طهران ان الحرب التي شنتها واشنطن واسرائيل عليها لن تعود بنفس القوة مرة اخرى لأسباب خارجية وداخلية امريكية واقليمية، فهم يظهرون مستوى عالٍ من ضبط الايقاع في إدارة الازمة، ويواصلون ارسال رسائلهم لبريد البيت الابيض انهم مستعدون لكل الاحتمالات، بما فيها المعركة الفاصلة. لكن المحاذير والانذارات الحمراء في طهران تضيء أكثر منها في واشنطن؛ بسبب الفارق الكبير في القدرة على التحمل؛ والقدرة على تأخير او منع الوصول الى نقطة الانهيار الداخلي، وهو ما يجب ان تتنبه له طهران سريعاً.

ومع تعطل جهود الوساطة الباكستانية، والشكوك المتزايدة حول امكانية التوصل الى اتفاق نهائي سريع؛ بسبب الحاجة الطارئة للرئيس ترامب لتقديم إنجاز سريع لجمهور الناخبين ولدافعي الضرائب في واشنطن. وسط رفض طهران التجاوب مع أيٍ من طروحاته او افكاره التي يقدمها طالما لا تحقق مطالبها المعلنة. يبدو ان خيارات ترامب تضيق شيئاً فشيئاً وهامش المناورة بات محدوداً او يكاد، ولم يتبق امامه إلا الخيار الثالث “تصعيد محسوب” بميزان مصالحه دون مستوى “إعلان حرب شاملة” على غرار حرب شباط فبراير الماضي، اعتقاداً منه ان هذا الخيار سيدفع طهران للتفاوض بسقف منخفض ولو قليلاً، الامر الذي يمنحه فرصة جديدة لإعلان العودة الى طاولة المفاوضات.

سياسياً، تكشف العبارة التي ذكرها المسؤول الاسرائيلي “أن نتنياهو لم يقدم مقترحات شخصية، وأن القرار النهائي يعود لترامب ما لم تبادر إيران بمهاجمة إسرائيل أولاً”. عن خضوع واضح من قبل نتنياهو لإسناد صناعة القرار النهائي في الحرب على إيران الى ترامب حصراً، مع بقاء التحالف الأمريكي-الإسرائيلي قائماً، وان اسرائيل ليست الطرف الذي يحدد لحظة الانتقال بين الخيارات المتاحة.

عند هذه النقطة، منح نتنياهو الرئيس ترامب الصورة القيادية الكاملة للحرب على إيران للتماشي مع خطابه للداخل الامريكي، جوهره ان رئيس البيت الابيض هو من يتخذ القرارات وفقاً للمصلحة العليا للأمن القومي الامريكي بعيداً عن مؤثرات نتنياهو. ومع تأكيده نتنياهو الوقوف على ارضية صلبه الى جانب ترامب لمنع طهران من حيازة سلاح نووي وصياغة التحركات المشتركة بينهما. إلا انه لم يُسقط من حساباته المخاوف الامنية لجمهور الناخبين في اسرائيل، وأعلن انه يحتفظ بحق الرد الفوري في حال تعرضت اسرائيل لهجوم من قبل طهران اولاً.

الخيارات الثلاثة المطروحة على طاولة ترامب-نتنياهو كشفت بوضوح أن النقاش لم يكن يدور حول المفاضلة بين استراتيجيات الحرب ومسارات السلام، بل كانت مُركزة على كيفية إدارة سياسة الضغط الاقصى ضد إيران، وفقاً لمصفوفة تصاعدية تبدأ بالتفاوض تحت الضغط-الاكراه، مروراً بإدارة أزمة ممتدة ولها تداعيات اقليمية وعالمية في حال استمر تعثر المفاوضات، وصولاً إلى استخدام القوة لكن بصورة محسوبة دون مستوى الحرب الشاملة. في هذا الإطار، لا تبدو الخيارات الثلاثة بدائل منفصلة، بل حلقات في سلسلة متصلة تبقي كل الخيارات الامريكية مفتوحة. بينما يظل الدور الإسرائيلي شريكاً في البيئة العملياتية، تُترك التقديرات للإدارة الامريكية فهي التي تقرر توقيت الانتقال بين الخيارات وفقاً لسلوك طهران وتطورات البيئة الإقليمية.