أتعلمين يا فلسطين؟
رغم كل ما يقال عنكِ…
ورغم كل ما كُتب عن وجعكِ…
ورغم كل ما مرّ عليكِ من تعبٍ وحروبٍ وخيبات…
ما زال فيكِ شيءٌ يجعل القلوب تطمئن حين تسمع اسمكِ.
شيءٌ لا أستطيع وصفه تمامًا.
فكلما ضاقت الأيام، نظرتُ إليكِ فشعرتُ أن الله حاضرًا دوما في الحكاية.
وكلما أثقلتنا الأخبار، تذكرتُ أن هذه الأرض مرت عليها أممٌ ودولٌ وعواصف لا تُحصى، وبقيت.
بقيت لأنها فلسطين.
فسلامٌ للقدس…
للمدينة التي لا نحبها لأنها مدينةٌ فقط، بل لأنها قطعةٌ من الروح.
وسلامٌ لغزة…
التي أتعبها ما يكفي من الألم، ومع ذلك ما زالت تُعلّم العالم معنى الكرامة والصبر.
وسلامٌ للمخيم…
ذلك المكان الذي ضاق بالجغرافيا واتسع بالوطن.
وسلامٌ للقرية…
حيث الزيتون يشبه الناس في عنادهم الجميل.
وسلامٌ للمدينة…
حيث يمضي الناس إلى أعمالهم وأحلامهم رغم كل شيء، وكأنهم يقولون للحياة كل صباح: لن نهزم.
أما أنتِ يا فلسطين…
فأجمل ما فيكِ ليس حجركِ ولا شجركِ ولا تاريخكِ.
أجمل ما فيكِ ناسكِ.
هذا الشعب الطيب الذي يعرف كيف يبتسم وهو متعب.
وكيف يساعد غيره وهو محتاج.
وكيف يحمد الله حتى في أصعب الأيام.
هذا الشعب الذي خذلته الدنيا كثيرًا…
لكنه لم يخذل وطنه يومًا.
نعم…
أتعبنا الاحتلال.
وأوجعتنا الانقسامات.
وأرهقتنا أصوات الفتنة والخصومات الصغيرة.
لكننا نعرف في أعماقنا أن فلسطين أكبر من كل ذلك.
وأجمل من كل ذلك.
وأبقى من كل ذلك.
ولهذا…
فإن عهدنا لكِ بسيطٌ وواضح.
أن نبقى أوفياء.
أن نبقى أبناءكِ مهما تبدلت الظروف.
أن نحب بعضنا أكثر.
أن نختلف أقل.
أن نترك للفتنة أبوابًا مغلقة.
وأن نفتح للأمل نوافذ واسعة.
ونعاهد القدس أن تبقى في الدعاء.
ونعاهد غزة أن تبقى في القلب.
ونعاهد كل مخيمٍ وقريةٍ ومدينة أن يبقى الوفاء لفلسطين جامعًا لنا لا مفرقًا بيننا.
ثم نرفع أيدينا إلى السماء ونقول:
يا رب…
هذه فلسطين التي نحب.
فاحفظها بعينك التي لا تنام.
واحفظ أهلها الطيبين.
وامسح عن قلوبهم التعب.
وأبدل خوفهم طمأنينة.
وحزنهم فرحًا.
وصبرهم بشرى.
فنحن لا نملك إلا أن نعمل وأن نأمل وأن ندعو.
أما الباقي…
فنتركه لرحمة الله.
ولطف الله.
ووعد الله.
وما أجمل الحياة حين يكون الله هو الأمل الأكبر.
وما أجمل فلسطين…
حين ننظر إليها بعيون المحبة لا بعيون الخوف.
فهي، رغم كل شيء…
ما زالت تستحق الحب.
وما زالت تستحق الوفاء.
وما زالت تستحق أن نحلم لها بغدٍ أجمل.
وما زالت…
فلسطين.






