إنكار الداء: حين يتحوّل الصمت إلى شريك في صناعة الطائفية:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

إنّ إنكار الواقع المأزوم لا يكتفي بتعقيد الأزمات، بل يُرسّخها أمراضاً مزمنة تستعصي على العلاج؛ تماماً كما يفعل التشخيص الخاطئ حين يضلّل مسار الدواء ويُفاقم العلّة بدل أن يُداويها. وعلى هذا النحو، يتجلّى الخطاب الطوباوي الهلامي الذي يرفعه بعض الأفراد والجماعات، في انفصالٍ صارخٍ عن معطيات الواقع وتجارب التاريخ؛ إذ يلوذون بشعارات الوطنية والوحدة والإنسانية، ويدّعون السعي لبناء مجتمعٍ مدنيٍّ متحضّر، في الوقت الذي تتغلغل فيه الطائفية والعنصرية والانقسامات الفئوية في بنية الدولة والمجتمع، مُفكِّكةً نسيجهما من الداخل.
ليست المعضلة في وجود هذه الأمراض الاجتماعية فحسب، بل في إنكارها أو تحريف تشخيصها. فمن أقسى صور الطائفية أن تُنفى مظاهرها الواضحة، سواء عبر حملات ممنهجة تُغذّي الكراهية أو عبر ممارسات يومية تُعيد إنتاجها بصيغٍ مختلفة. وكذلك الحال في العنصرية؛ إذ إنّ تقويض الجهود الجادّة لمكافحتها، تحت ذرائع واهية، بينما يرزح المجتمع تحت وطأة تمييزٍ ممنهج، لا يُعدّ إلا امتداداً لها بصورةٍ مقنّعة. والأدهى من ذلك أن يُوصم من يكشف هذه الاختلالات بأنه طائفي أو عنصري، وكأنّ تسمية الداء هي الداء ذاته.
وهنا يطفو السؤال الجوهري: ما الذي يدفع إلى تشويه أصواتٍ تنادي بالمساواة والعدالة؟ ولماذا يُستهدف المصلحون بدلًا من محاسبة صُنّاع الانقسام؟
إنّ الجواب يكمن في بنية مصالحٍ خفيّة، حيث يتستّر بعض من يرفعون شعارات محاربة الطائفية خلف أقنعةٍ برّاقة، بينما هم في جوهرهم مستفيدون من استمرارها. يخشون انكشاف الحقيقة، لأنّ النقاش العلني يُعرّي امتيازاتهم ويهدّد مواقعهم. فهم لا يُدافعون عن الوحدة حبًّا بها، بل حفاظًا على توازناتٍ مختلّة تُبقيهم في موقع الهيمنة، وتُقصي غيرهم عن موارد السلطة والثروة.
ولذلك، لا ينبغي التسليم ببراءة كل خطابٍ مناهضٍ للطائفية؛ فكثيرٌ منه لا يتجاوز حدود اللفظ، بينما تُمارَس الطائفية في العمق بأدواتٍ أكثر خفاءً وفاعلية. إنهم يرفعون الصوت في وجه من يكشف التمييز، لا دفاعاً عن الوحدة، بل صرفاً للأنظار عن جراحٍ مفتوحة، وسياساتٍ قائمة على الإقصاء والتفريق. وهنا تتجلّى المفارقة: حين يتحوّل إنكار المرض إلى وسيلةٍ لترسيخه، ويغدو خطاب الوحدة ستاراً يُخفي تفكيكها.
إنّ الدعوة إلى مجتمعٍ عادل لا تقوم على تجاهل العلل، بل على مواجهتها بجرأةٍ معرفية وأخلاقية. فكما يبدأ العلاج بالاعتراف بالمرض، يبدأ الإصلاح بتشخيصٍ صادقٍ لا يُجامل الواقع ولا يُزيّفه. أمّا الادعاء بأنّ الحديث عن الطائفية يُثير الفرقة، فليس سوى ذريعةٍ واهنة تُخفي خوفًا من انكشاف الحقائق. والحقيقة، مهما كانت قاسية، تظلّ الطريق الوحيد نحو التعافي، لأنها وحدها القادرة على كسر دائرة الوهم وفتح أفق الخلاص.