احتلال الوعي… لماذا يحتاج تغيير المجتمعات إلى عشرين عاماً ؟

كتب جودت مناع

في أربعينيات القرن الماضي، بدأت الحركة الصهيونية عملاً منظماً وطويل الأمد لاستقطاب أعضاء في الكونغرس الأمريكي بهدف دعم قيام الكيان الإسرائيلي وترسيخ حضوره السياسي والأمني داخل دوائر القرار في واشنطن. واستمر هذا المسار لعقود، منذ اربعينات القرن الماضي حتى منتصف ستينيات القرن العشرين، حين اكتمل إلى حدٍّ كبير بناء شبكة النفوذ السياسي والإعلامي والأمني المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.

غير أن التحولات الكبرى لا تبقى ثابتة إلى الأبد؛ فمع تغير الأجيال وتبدل السياقات السياسية والإعلامية نحو ٨٠ عاما، بدأ الرأي العام الأمريكي والعالمي يشهد تحولاً تدريجياً، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني وما رافقها من مشاهد إنسانية قاسية أعادت طرح الأسئلة الأخلاقية حول العدالة والحقوق والاحتلال.

وتشير نظريات التغيير السلوكي المجتمعي إلى أن التحولات الأخلاقية والسياسية العميقة تحتاج عادةً إلى ما بين 15 و20 عاماً كي تترسخ في وعي المجتمعات وتنعكس على المواقف العامة وصناعة القرار. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل يمر بمراحل متراكمة تبدأ بإعادة تشكيل الخطاب، ثم التأثير في الإدراك الجمعي، وصولاً إلى تغيير السلوك السياسي والاجتماعي. لكن العودة إلى المسار الصحيح يستغرق عقودا طويلة.

يمكن تلخيص مراحل التغيير المجتمعي في أربع محطات رئيسية:

اولا: تبدأ العملية بصناعة سردية قادرة على التأثير في الوعي العام، عبر الإعلام والتعليم والثقافة والمؤسسات السياسية.

ثانياً: مع الزمن يتفشى التطبيع مع الفكرة، فتتحول الفكرة من موقف هامشي إلى رأي مقبول اجتماعياً، ثم إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة.

ثالثاً: ولإنتاج ادوات التأثير لا بد من أن تشمل جماعات الضغط، والمؤسسات البحثية، والإعلام، والشخصيات العامة، ومنصات التواصل، بما يضمن استدامة التأثير وتوسيعه.

رابعاً: في هذه المرحلة ينعكس التغيير على القرارات الرسمية، والانتخابات، والتحالفات، والمواقف الشعبية.

هذا النوع من العمل المنهجي هو ما انشغلت به دوائر غربية مختلفة في ما يتعلق بفلسطين المحتلة، حيث جرى الاستثمار لعقود في إعادة تشكيل الوعي والرواية والصورة الذهنية. وفي المقابل، فإن العودة إلى المسار الوطني الصحيح داخل المجتمع الفلسطيني تبدو أكثر تعقيداً، بسبب تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى غياب التفسير العميق لما يجري من تحولات.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس فقط الاحتلال أو العدوان المباشر، بل أيضاً محاولات إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإقصاء الرموز الوطنية، وتغيير لوحة فلسطين التاريخية بأدوات فقدت بوصلتها في العلاقات الطبيعية. كما أن إنكار مسيرة شخصيات كان لها دور محوري في مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستبدالها بحالة من الحشد للأشخاص بدل الوطن، يعكس خللاً عميقاً في الأولويات الوطنية.

هذا السؤال يؤرق الوطنيين: كم من الوقت يحتاج الشعب الفلسطيني لتجاوز هذه المرحلة واستعادة توازنه الوطني والأخلاقي؟

وفق منطق التغيير المجتمعي، فإن معالجة التشوهات العميقة في الوعي والسلوك تحتاج أيضاً إلى سنوات طويلة من العمل المنظم، تبدأ بإعادة بناء الثقة والرواية الوطنية الجامعة، وتعزيز الوعي الجمعي، وتحصين المجتمع من الانقسام والإقصاء. فالمجتمعات التي تتعرض للضغط المستمر والعنف والإفقار والإهانة تحتاج إلى مشروع وطني طويل النفس يعيد للإنسان كرامته وللوطن معناه.

وفي ظل مشاهد القرى الفلسطينية التي تُحرق، والديون التي تتفشى، واعتداءات المستوطنين الإرهابيين غير المسبوقة التي يتعرض لها الفلسطيني في وطنه، والأراضي التي تسلب في غياب المسؤولية الوطنية يصبح السؤال عن الزمن ليس ترفاً فكرياً، بل قضية وجود تتعلق بمستقبل الهوية الوطنية نفسها.

“جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي – لندن، وام بي سي – لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية. حصل على عدة جوائز فلسطينية ودولية”