جاري التحميل...

“الأرض معروضة للبيع”.. لماذا تتزايد إعلانات بيع الأراضي في الضفة؟

علاء مطر

بمجرد أن تفتح مواقع التواصل الاجتماعي على هاتف، سرعان ما يلفت انتباهك الفترة الأخيرة، هي كثرة إعلانات بيع الأراضي في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، تحت عنوان “بأسعار مغرية”، أو فرصة للاستثمار وغيرها من العناوين الجذابة، وهو ما دفع الكثيرين للتساؤل عن السبب الحقيقي وراء هذه الإعلانات، أهي الضائقة المالية التي يمر بها الفلسطينيون؟ أم أن زحف الاستيطان واعتداءات المستوطنين كانت السبب الرئيسي؟

وعلى الرغم من عدم توفر إحصائية رسمية حول هذا الأمر، إلا أن كثرة الإعلانات على صفحات التواصل الاجتماعي ومنصات العقارات، تكشف الحجم الحقيقي للتحولات التي يشهدها السوق، في ظل أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية معقدة، خصوصا في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها أهالي الضفة، بدءً برواتب الموظفين المنقوصة، مرورا بتوقف عشرات الآلاف من العمال عن عملهم بالداخل المحتل، وليس انتهاء بتراكم القروض والديون وارتفاع تكاليف المعيشة هناك.

وبحسب بيانات رسمية صادرة عن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وسلطة النقد، فإن معدل البطالة في الضفة الغربية قد ارتفع لمستوى 28% خلال العام الماضي، بينما توقفت الكثير من مصادر الدخل لعشرات الآلاف من العائلات بعد الحرب منذ 2023، الأمر الذي جعل الأرض بالنسبة إلى بعض العائلات وسيلة أخيرة للحصول على المال.

ووفقا لبعض السماسرة ومتابعي سوق العقارات، فإن كثير من إعلانات البيع، تقف خلفها أسبابا اقتصادية بالدرجة الأولى منها سداد القروض المصرفية أو بناء منزل أو تغطية تكاليف علاج، أو توزيع الميراث بين الورثة، وليس بهدف الاستثمار أو السفر.

ويؤكد هؤلاء السماسرة، أنه لا يمكن الحديث عن فقدان الأراضي لقيمتها في ظل كثافة إعلانات البيع، إنما الامر يعتمد على ظروف الناس البائعين، مبينين أن قيمة القطعة ترتبط بموقعها وتصنيفها القانوني وقربها من الشوارع والخدمات وإمكانية البناء عليها وسلامة أوراقها، وأن الأراضي الواقعة داخل المخططات الهيكلية والمصنفة ضمن مناطق «أ» أو «ب»، والقريبة من المدن والبلدات، أكثر طلبًا وقدرة على الاحتفاظ بقيمتها، مقارنة بالأراضي البعيدة أو غير المفروزة أو المصنفة ضمن منطقة «ج».

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض في الأسعار الحالية فرصة للشراء، يخشى آخرون من تجميد أموالهم في أرض يصعب إعادة بيعها، أو قد تتأثر بإجراءات الاحتلال والتوسع الاستيطاني.

وفي ظل الواقع السياسي المعقد حاليا، لا يمكن فصل سوق الأراضي في الضفة عن هذا الواقع الصعب، فالتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة تضغط بصورة متزايدة على القرى والبلدات، خاصة في مناطق “ج” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الامنية.

ووفقا لتقارير ميدانية، فإن المخاوف لدى المواطنين الفلسطينيين ازدادت بعد اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قرارات لتغيير آليات تسجيل وتسوية الأراضي وتوسيع سيطرتها الإدارية والقانونية عليها، في خطوات فلسطينية ودولية وُصفت بأنها تمهد للضم الفعلي.

ويخشى المواطنون من أن يؤدي ترك الأراضي دون زراعة أو استصلاح إلى تسهيل استهدافها، فيما يرى مختصون أن تثبيت الملكية واستصلاح الأرض وزراعتها وإقامة المشاريع عليها يمثل خط الدفاع الأول لحمايتها.

ومع ذلك، فإن الخوف من المصادرة يدفع بعض المالكين، بصورة عكسية، إلى محاولة بيع الأراضي المهددة، خصوصًا إذا كانوا غير قادرين على الوصول إليها أو حمايتها واستثمارها، وهو ما أثار لدى البعض شكوكا وتعليقات تتعلق بإمكانية وصولها إلى المستوطنين عبر وسطاء أو شركات وهمية.

وبين بائع مجبر ومشتر خائف وسوق عقارات يعاني أساسا من أزمات معقدة، تبقى كثرة الإعلانات مؤشرا يدق ناقوس الخطر، ويصبح السؤال الأهم هو ليس: لماذا يبيع المواطن أرضه؟ إنما لماذا وصل الحال بالمواطن لبيع أرضه التي كانت تعتبر “آخر أبواب النجاة”؟