بقلم: د. صالح الشقباوي
قرأت باهتمام المقال الذي يتساءل عن سبب ميل الفلسطينيين إلى انتخاب الأسرى أو تفضيلهم عندما تُطرح أسماؤهم في المجال السياسي، وما إذا كان الاعتقال الطويل يمكن أن يؤثر في القدرة على ممارسة القيادة والحكم.
وأعتقد أن المسألة تحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد المقارنة بين الأسير وغير الأسير.
فالأسير الفلسطيني ليس رقماً في السجون، ولا مجرد شخص فقد حريته لسنوات؛ إنه في الوعي الفلسطيني رمز لتجربة وطنية قاسية، وشاهد على الصراع، وشخص دفع من حريته وحياته ثمناً لموقفه السياسي أو الوطني. ولذلك فإن ارتفاع رصيده الشعبي في الانتخابات يمكن فهمه سوسيولوجياً بوصفه تعبيراً عن الذاكرة الجماعية، وعن تقدير المجتمع للتضحية والصمود، بل وربما عن شعور جماعي بما يمكن تسميته «رد الجميل».
لكن هنا ينبغي أن نفرّق بين أمرين:
تكريم الأسير شيء، واختياره قائداً شيء آخر.
الأسر ليس شهادة قيادة، كما أن الأسر ليس عائقاً أمام القيادة.
فالاعتقال الطويل قد يترك، لدى بعض الأشخاص، آثاراً نفسية وجسدية واجتماعية متفاوتة. وهذه مسألة إنسانية وطبية لا يجوز التعميم بشأنها، ولا يجوز تحويلها إلى حكم مسبق على أهلية الأسرى للقيادة. فهناك أسرى سابقون استطاعوا العودة إلى الحياة العامة وممارسة أدوار سياسية وفكرية واجتماعية مؤثرة، كما أن القدرة على القيادة لا يمكن اختزالها في تجربة السجن وحدها.
إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول البطولة النضالية إلى شرعية سياسية تلقائية.
فالمناضل الذي ضحّى من أجل وطنه يستحق التقدير والوفاء، لكن الدولة تحتاج، إلى جانب التضحية، إلى المعرفة والإدارة والخبرة والقدرة على بناء المؤسسات واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية والتعامل مع المجتمع ومؤسساته وتناقضاته.
لهذا، ربما نحتاج فلسطينياً إلى أن نحرر مفهوم البطولة من مفهوم السلطة، وأن نحافظ على قداسة التضحية من دون أن نحولها إلى قداسة سياسية.
فليس كل بطل سياسياً بالضرورة، وليس كل سياسي بطلاً بالمعنى النضالي.
وقد يكون الأسير قائداً عظيماً، وقد يكون مناضلاً عظيماً لا يرغب أصلاً في ممارسة السلطة، وقد يكون شخص آخر — لم يدخل السجن — أكثر قدرة على إدارة مؤسسة أو دولة. المعيار في النهاية يجب أن يكون إرادة الشعب والكفاءة والقدرة والمسؤولية، لا السجن وحده ولا خارجه.
إن احترام الأسرى لا يكون فقط بإعطائهم الأصوات، بل أيضاً بحماية حقوقهم، ورعاية من يحتاج منهم إلى العلاج والتأهيل، وإعادة دمجهم في المجتمع، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم، وحفظ مكانتهم في الذاكرة الوطنية.
والأهم أن لا نحول الأسير من إنسان ضحّى بحريته إلى «رمز سياسي أبدي» نمنحه السلطة لمجرد أنه كان في السجن.
فلسطين تحتاج إلى قيادات تحمل روح التضحية، لكنها تحتاج كذلك إلى عقل الدولة.
وتحتاج إلى من يعرف كيف يقاوم الاحتلال، وكيف يبني في الوقت نفسه مؤسسة وطنية عادلة، وكيف يحول الألم إلى مشروع، والتضحية إلى مستقبل، والذاكرة إلى دولة.
إن الوفاء للأسرى لا يعني بالضرورة انتخابهم، كما أن عدم انتخابهم لا يعني نكران تضحياتهم.
الأسير يستحق الوفاء، والقيادة تستحق الكفاءة، والشعب يستحق أن يختار من يراه قادراً على حمل أمانة المستقبل.
وهنا تكمن المسألة كلها:
أن نحافظ على قدسية النضال، دون أن نحولها إلى امتياز سياسي، وأن نحترم الأسير، دون أن نسلبه حقه في أن يكون إنساناً أولاً، ثم نترك للشعب وحده حق اختيار من يقود.