الابتزاز الأميركي الرخيص

عمر حلمي الغول

على أهمية التوقف للحظة أمام بعض المواقف المتناثرة هنا وهناك لأركان الإدارة الأميركية المقبولة، المعارضة أو المنتقدة لمواقف حكومة بنيامين نتنياهو في هذه الجزئية أو تلك، الا أن ذلك لا يجيز لأي مراقب غض النظر عن الثابت في مواقف القيادة الأميركية الاستراتيجية في العلاقة مع الأداة الإسرائيلية، التي مازالت حتى يوم الدنيا هذا، والى أمد غير معروف تقف بشكل ثابت وكلي خلف الدولة الإسرائيلية في السراء والضراء، ظالمة أو مظلومة، وهي لم تكن يوما مظلومة لأنها ولدت وهي تحمل معول الهدم والظلم والابادة الجماعية والاستعمار الاجلائي الاحلالي ضد الشعب العربي الفلسطيني. وما كان لها الوجود والاستمرار من حيث المبدأ في استعمار الأرض الفلسطينية، الا بفضل دعم واسناد وحماية دول الغرب الامبريالي وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي شكلت لها الغطاء، وشاركتها في ارتكاب أبشع جرائم الحرب ضد الفلسطينيين والعرب عموما على مدار تاريخ الصراع.
وفي خضم الحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام الفارسي التي بدأت في 28 شباط / فبراير 2026، سعى راعي البقر الأميركي وأداته الإسرائيلية الى توريط الدول العربية عموما ودول الخليج العربي للانخراط في دوامة الحرب، غير أن معظمها رفض هذا الخيار. لا سيما وان تجربة الحرب أكدت للعرب جميعا، أن القواعد الأميركية المنتشرة في تلك الدول، أولا لم تتمكن من الدفاع عن نفسها، وثانيا لم تؤمن الحد الأدنى من الحماية لأي دولة على الاطلاق، لا بل كانت عبئا ثقيلا وخرابا عليها، وشكلت عامل هدم لاقتصادها ومصالحها الحيوية.
ولهذا انتهجت معظمها سياسة النأي بالنفس عن خيار واشنطن – تل ابيب، وسعت بعضها الى لعب دور الوسيط الإيجابي لوقف التصعيد بين الإدارة الأميركية وإيران، كما فعلت سلطنة عُمان، لكن قرار الحرب كان اتخذ، وتحددت ساعة الصفر ويتذكر الجميع، ان وزير خارجية مسقط كان مشاركا كوسيط في الاجتماع مع الطرفين الأميركي الإيراني في جنيف يوم الجمعة الموافق 27 فبراير الماضي، قبل ساعات من شن الحرب على إيران، وأعلن آنذاك عن حدوث اختراق إيجابي بينهما. لكن قرار الحرب الأميركي الإسرائيلي كان تقرر، وكانت المفاوضات عبارة عن محطة قصيرة للتضليل، وإيهام الإيرانيين بإمكانية الوصول لاتفاق مع الإدارة الأميركية.
ومع أن البيت الأبيض ركز على مواصلة الحرب في الجبهة الإيرانية، وتجاهل الملفات الساخنة الأخرى: ملف فلسطين عموما وقطاع غزة خصوصا، وملف روسيا وأوكرانيا، وملف الصين وتايوان، وملف كوبا ودول اميركا اللاتينية، الا أن الرئيس دونالد ترمب وإدارته لم يغفلوا للحظة عن ملف تعميم وتوسيع فرض اتفاقية ما يسمى ” السلام الابراهيمي” بين الدول العربية وإسرائيل اللقيطة، فمثلا عشية إعلان الحرب على طهران، في 19 فبراير الماضي، دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام السعودية ودولا عربية أخرى الى الانضمام للاتفاقيات الابراهيمية، في لقاء مع برنامج الحقيقة مع هادلي، واتهم الرياض بأنها “تتحرك الى الوراء، وتهاجم دولة الامارات العربية المتحدة بسبب انضمامها لتك الاتفاقية”
وعاد السيناتور غراهام لمهاجمة القيادة السعودية ودولا أخرى، في 24 أيار / مايو الماضي، متوعدا إياها ب “عواقب وخيمة وتداعيات خطيرة” إذا لم تنضم الى اتفاقيات إبراهام المشؤومة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ومع أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير خارجية المملكة فيصل بن فرحات، لم يعلنوا يوما موقفا متناقضا لإبرام اتفاقية سلام مع دولة إسرائيل، لكنهم أكدوا المرة تلو الأخرى، أولا على إسرائيل أن تلتزم بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967. الا أن إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة لم يستجيبوا للمطلب السعودي والعربي والاممي، وما كان للمملكة وقيادتها إدارة الظهر لدورها في قيادة مؤتمر نيويورك الدولي لدعم خيار حل الدولتين الذي عقد عشية انعقاد الدورة ال 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول / سبتمبر الماضي بالشراكة مع الجمهورية الفرنسية.
ورغم تهديدات السيناتور الجمهوري الخطيرة والمجحفة بحق المملكة السعودية وقيادتها، الا أن الخارجية أصدرت بيانا في اعقاب التهديد الرخيص، رفضت فيه هذا الابتزاز، وأصرت على موقفها بضرورة إلزام إسرائيل بالإقرار بوجود الدولة الفلسطينية، والالتزام باستحقاق مخرجات مؤتمر نيويورك الدولي 2025.
ولم يقتصر الأمر على العربية السعودية، بل أن الرئيس دونالد ترمب ووزير خزانته، هددوا سلطنة عُمان بعظائم الأمور، ونسفها كليا، إن لم تقطع علاقاتها مع إيران، وفق ما ورد في صحيفة “وول ستريت جورنال” أمس الثلاثاء 2 يونيو الحالي، بذريعة مسعى مسقط بالانضمام الى طهران في فرض رسوم على السفن التي تعبر من مضيق هرمز الاستراتيجي. وذكر تقرير الصحيفة الأميركية أن “المسؤولين في عُمان سارعوا مع بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الى إنشاء قناة اتصال سرية مع طهران” لهذا الهدف. ووفق التقرير فإنه “بعد 3 أشهر، بدأ هذا الموقف (العماني) المحايد يؤتي نتائج عكسية، إذ تُفسر واشنطن بشكل متزايد نهج عُمان تجاه طهران على أنه عدائي تجاه أميركا.” وأضاف أن إدارة ترمب، هددت بفرض عقوبات على مسقط في الأيام الأخيرة، بل وحتى قصفها، “بعد أن خلص تقيم استخباراتي جديد الى أن مسقط كانت تخطط للانضمام الى إيراني في فرض الرسوم، وهو ما نفته عُمان مرارا وتكرارا، ليس هذا فحسب، بل أبدت الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة. وهذا ما أكده وزير الاعلام العماني عبد الله الحراسي، إن “سلطنة عُمان على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة وجميع الشركاء المسؤولين لتعزيز الاستقرار وردع الاضطرابات، وحماية مصالحنا الاستراتيجية المشتركة.”
والخطير في السياسة الأميركية، التي تعمل وفق المثل الشعبي القائل “عنزة ولو طارت”، أن الرئيس ترمب قبل يوم من تهديدات وزير الخزانة سكون بيسنت، الخميس 28 مايو الماضي، بفرض عقوبات على السلطنة، هدد خلال اجتماع لحكومته ب “نسف” سلطنة عُمان، إن لم “تحسن التصرف”؟! في ابتزاز رخيص ومعيب بحق الإدارة الأميركية، التي تلاحق حلفائها العرب، باعتبارهم الحلقة الأضعف في الاقليم، في الوقت الذي تجري هي المفاوضات مع طهران وحزب الله بشكل مباشر وغير مباشر. لكن الاشقاء العرب لم يخشوا التهديد الأميركي، ودافعوا عن مواقفهم المسؤولة بثبات ودون وجل.