السياسي – لا تتوقف الشكاوى الاسرائيلية عن تحول العديد من معاقل إسرائيلية ويهودية تقليدية الى نقاط عداء متصاعدة ضد دولة الاحتلال، ولعل مدينة نيويورك المثال الأقوى على ذلك، التي انطلقت منها المسيرات الداعمة لها في ستينيات القرن الماضي.
الباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI)، كوبي باردا، ذكر أنه “في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وصل أكثر من مليوني يهودي إلى حي لوور إيست سايد في مانهاتن، وجعلت هذه الهجرة الجماعية من نيويورك حجر الزاوية ليهود الشتات، وأرست مكانتها كأكبر مدينة يهودية في العالم، ومن هذا المجتمع الواسع، برزت سلسلة طويلة من السياسيين اليهود ذوي النفوذ التاريخي”.
وأضاف في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، أن “أبرز الساسة على الإطلاق السيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، بعد أن شغل منصب زعيم الأغلبية من عام 2020 إلى عام 2024 في عهد إدارة بايدن، وهو أعلى يهودي رتبة ينتخب لمنصب عام في التاريخ الأمريكي، وجعل لسنوات عديدة تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل على رأس أولوياته، لكنه رغم ذلك، اضطر في السنوات الأخيرة للتعامل مع الضغوط المتزايدة داخل حزبه، ما دفعه لتبني مواقف أكثر تحفظا تجاه إسرائيل”.
وأوضح أننا “شهدنا في السنوات الأخيرة اضطرابات مقلقة وخطيرة في مدينة نيويورك، فبجانب تصاعد الكراهية العامة لإسرائيل، نلاحظ اتجاها متزايدا لانتخاب مرشحين لمناصب عامة على هذه القائمة تحديدا، ولعل القوة الدافعة وراء هذا التغيير الجذري هي الفصيل الراديكالي في الحزب الديمقراطي، وتحديدا الاشتراكيون الديمقراطيون، فقد تلقى مؤيدو إسرائيل إشارة تحذير عقب انتخاب زهران ممداني رئيسا لبلديتها، عضو الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، عمدة لمدينة نيويورك”.
وأشار إلى أن “ممداني يقود اليوم خطا عدائيا ومتطرفا ضد إسرائيل، ويرفض المشاركة في مسيرة من أجل إسرائيل، ويطالب باعتقال نتنياهو، وتتجلى سياسته برفض تشريعات المدينة المصممة لمنع المظاهرات الاحتجاجية أمام المدارس اليهودية، وبات موقفه تجاه إسرائيل والمجتمع اليهودي أكثر وضوحا من أي وقت مضى، كما يتضح من الهجوم الشرس الذي شنه مؤخرا على جماعة الضغط “أيباك”، التي وصفها بـ”الوحش”.
وأكد أنه “رغم هذه المواقف، فلا يزال ممداني يحظى بشعبية هائلة، لأنه راهن على دعم مرشحين متطرفين مثل كلير فالديز وبراد لاندر وديرليتزا أفيلا شوفالييه، بينما يظهر وقوفه في طابور طويل في إحدى الحدائق لالتقاط صورة سيلفي معه بعد فوز فريق نيويورك نيكس ببطولة الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين، مدى الدعم الذي يحظى به، مع العلم أن الخطر الأكبر الكامن في فوز في شوفالييه، يتمثل في هزيمته لعضو الكونغرس المخضرم أدريانو إسبايات في الدائرة الثالثة عشرة”.
وأكد أن “لاندر، الذي يصنف ضمن أقصى اليسار، أصبح ناقدا صريحا لإسرائيل، وقاد خطا معارضا شرسا لسياساتها، وقد طرد دان غولدمان بشكل مخز من مقهى في مدينته، وهو حدث يظهر مدى عمق الانقسام، وركزت الحملة الانتخابية الحالية بشكل كبير على مطلب وقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل، مما شكّل نقطة تحول حاسمة للمرشحين الذين فازوا، وكرّسوا عداءهم”.
وأوضح أنه “من منظور خارجي أصبحت نيويورك التي انطلقت منها مسيرة إسرائيل في الستينيات، رأس الحربة في النضال ضدها، وكل من يراها “عملية ديموغرافية” حتمية مخطئ ومضلل، بل هندسة سياسية باردة ومحسوبة، لأنه في الانتخابات التمهيدية النصفية، ينتخب المرشحون بناء على أصوات بضعة عشرات الآلاف في الدوائر الانتخابية الآمنة، وتتيح هذه الطريقة السيطرة بسهولة نسبية على الدوائر، وإغراق الكونغرس والسلطات المحلية بممثلين متطرفين، كما فعل حزب الشاي مع الحزب الجمهوري، ولكن في الاتجاه المعاكس”.
وختم بالقول إننا “أمام محاولة منهجية من الداخل، لتغيير جوهر الحزب الديمقراطي، وتحويله إلى حزب هامشي، حيث يدرك الأمريكيون، الذين يراقبون من بعيد، أن هذه حرب ثقافية تدور حول صورة أمريكا، وإذا لم يوقف الحزب الديمقراطي هذا التطرف الداخلي، فقد يجد نفسه ليس فقط خارج السلطة في عامي 2026 و2028، بل ومنفصلا تماما عن الشعب الأمريكي الذي يدّعي تمثيله”.






