الاستعمار ‘‘نمر من ورق’’ حقا

صبري جريس- فلسطين

العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران – بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة
ما أشبه اليوم بالبارحة – كأن حرب إيران 2026 نسخة جديدة من حرب السويس 1956
عبارة ‘‘نمر من ورق’’ (Paper Tiger) هي مقولة شهيرة أطلقها الزعيم الصيني ماوتسي تونغ عام 1946،خلال الحرب الصينية التي كانت مستعرة يومها، تشير إلى أن القوى الاستعمارية الاستبدادية (مثل أمريكاً) تبدو مخيفة وقوية ظاهرياً ولكنها في الحقيقة ضعيفة وهشة، ويمكن هزيمتها من قبل الشعوب والمقاومة، وأن قوتها وهمية تتهاوى عند أول اختبار حقيقي.
وليس هناك من برهان على صحة هذا القول أوضح من ذلك الذي شاهدناه مع توقف الحرب الأميركية – الإسرائيلية، الاستعمارية – الصهيونية، على إيران، قبل فترة وجيزة. فبعد 39 يوما من حرب ضروس شنتها تلك القوى على إيران، اضطر الوعل ترامب إلى القبول بهدنة من 15 يوما، ثم قام بتمديدها، على أمل ان تجري خلالها مفاوضات للوصول الى صيغة مستدامة لإنهاء تلك الحرب. إما القط الإسرائيلي، كونه تابعا للامبريالية الأميركية، فلم يسأله احد عن رأيه وما كان عليه الا القبول صاغرا بما قرره الدب الأميركي.
ليس هناك من شك، ولو وفق المقاييس النسبية، ان الشكل الذي تمت به تلك الهدنة ينم عن نصر واضح لإيران. ففي بداية الحرب أعلن المعتدون ان الهدف من حربهم هو إسقاط النظام في إيران واستبداله بآخر يكون عميلا لهم. كما أضيفت الى ذلك شروط أخرى، مثل تقصير مدى الصواريخ الإيرانية (حتى لا تصل الى إسرائيل) وإيقاف تخصيب اليورانيوم، ثم فك ارتباط إيران بمنظمات المقاومة في المنطقة وغيرها – وكل تلك الأهداف تبخرت. ويبدو ان كل ما يسعى إليه المستعمرون الأميركيون حاليا هو إيجاد مخرج، يحفظ لهم ماء الوجه، من الورطة التي أوقعوا أنفسهم فيها بواسطة التفاوض مع إيران.
لقد تحقق هذا الانتصار النسبي نتيجة لجهود كبيرة بذلها النظام الإيراني لصقل قوته وتنويع مصادرها وأشكالها، للدفاع عن نفسه في وجه الأعداء المتربصين به، وهم كثر، وبالتالي استطاع الوقوف في وجه أعداء شرسين. وفي هذا الصدد لا نأخذ كثيرا بالحسبان الدور الذي لعبته إسرائيل في هذه الحرب، بل ان ما يعنينا هو الجهد الأميركي، على الإضرار التي سببها لإيران، وكذلك تلك التي لحقت به عموما. فالقط الصهيوني ما كان ليجرأ أساسا على مهاجمة إيران لوحده، لو لم يؤمن وقوف الضبع الأميركي الى جانبه. فإسرائيل لوحدها تستطيع، مثلا، الاعتداء على نظام التنسيق الأمني في فلسطين أو حزب الله في لبنان – وليس أكثر من ذلك.
لسنا، في أي حال، من كبار مؤيدي النظام الإيراني ولا أيضا من المعجبين به كثيرا، وخصوصا لجهة السياسات الداخلية التي ينتهجها. ولكن، من ناحية أخرى، ليس هذا بيت القصيد، إذ ان ما يصح هنا هو ذلك القول المأثور: ‘‘لا يدفعك الى المر الا الأمر منه’’. ففي عالم تفاهة المطبعين والمنسقين والمتخاذلين والمتآمرين العرب، وما أكثرهم ، الذين يعتبرون لأميركا واستعمارها ربهم الأكبر، يشعر أي وطني عاقل بالغبطة والسرور، ان لم نقل أيضا بشيء من الراحة، وهو يرى، مثلا، قواعد أميركا العدوانية في المنطقة تدمر بالصواريخ الإيرانية، الواحدة بعد الأخرى، وطائراتها تتحطم على الارض أوفي الجو، وسفنه تهرب الى البحر البعيد لتتجنب المجنحات الإيرانية,
من المبكّر الآن استخلاص نتائج نهائية مما سيترتب على هذه الهزيمة الامبريالية مستقبلا، وعلى أكثر من صعيد. ولكن المرء يكاد يشعر وكان التاريخ يعيد نفسه، وكأن حرب السويس 1956 تبعث ثانية في حرب إيران 2026. ففي سنة 1956 نجحت إسرائيل في ممارسة دورها الطبيعي، الذي أعده لها مؤسسها، باعتبارها مخلب القط الاستعماري في المنطقة، في إقناع فرنسا وبريطانيا بشن عدوان ثلاثي مشترك على مصر عبد الناصر، بعد تأميم قناة السويس، وذلك، أيضا، بهدف إسقاط النظام واستبداله بآخر عميل لهم. وقد فشل هذا الاعتداء واضطر المعتدون الى الانسحاب، اثر مقاومة شرسة من الجيش المصري وتدخل حازم من الاتحاد السوفييتي، الذي هدد بضرب باريس ولندن بالقنابل الذرية إذا لم يتوقف العدوان.
كان للفشل الفرنسي البريطاني في حرب السويس نتائج كارثية على كل من البلدين، إذ كشف نقاط ضعفهما بكل وضوح، ودفعهما تدريجيا الى مرتبة قوى عالمية من الدرجة الثانية، فراح نفوذ كل منهما يتقلص تدريجيا. ثم راحوا ينسحبون من مستعمراتهم ومواقعهم تدريجيا في آسيا وإفريقيا. ونتيجة لذلك حصلت العديد من الدول والكيانات في هاتين القارتين على استقلالها.
وما أشبه اليوم بالبارحة، إذ لا تبدو حالة المستعمرين الأميركيين اليوم أحسن بكثير من وضع فرنسا وبريطانيا 1956. صحيح ان الأميركيين كبدوا إيران خسائر فادحة، الا أنهم هم أيضا تكبدوا مثلها وأكثر، عدا ما لحقهم من اهانات مست “هيبتهم” الزائفة. فهؤلاء لم يستطيعوا، أولا، حتى الدفاع عن أصدقائهم في للخليج أو إسرائيل، كما جوبهوا ، ثانيا، بتخلي كافة حلفائهم، وخصوصا في حلف الأطلسي، عنهم، إضافة الى عداء شبه عالمي لمغامراتهم. وعدا عن ذلك راحوا يمرون في أزمة اقتصادية اجتماعية نتيجة لارتفاع أسعار الوقود في أعقاب إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. وليس في ذلك الا تعميق أزمتهم الاقتصادية الناجمة أساسا عن مديونيتهم الضخمة. وإذا استمر الحال على هذا المنوال ليس من المستبعد ان نرى أميركا، ان عاجلا أو آجلا، تسير على نفس الطريق، التي سارت عليه فرنسا وبريطانيا قبلها، وتتحول الى دولة كبرى من الدرجة الثانية.
وليست أوضاع القط الصهيوني أحسن حالا من الضبع الأميركي. وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة، بداية، الى ان قيام إسرائيل في حرب ضد جيرانها في المنطقة، أيا كانوا، بمشاركة دولة كبرى هو حلم صهيوني استعماري قديم جدا، بل انه يرافق الصهيونية منذ نشوئها. فكافة زعماء الصهيونية، كبيرهم وصغيرهم ودون استثناء، لم يكن لديهم، في مساعيهم لتسويق حركتهم وحمل الدول الاستعمارية الغربية على مساعدتها لإقامة دولة في فلسطين، الا عرض تحويل تلك الدولة الى أداة لخدمة المصالح الاستعمارية لقاء حمايتها. وهذا ما نجحوا في فعله مع الأرعن ترامب (كما نجحوا في ذلك خلال حرب السويس 1956 مع فرنسا وبريطانيا).
الا ان الرياح تجري بما لا تشتهي السف، أحيانا على الأقل. فكما أصيبت العدوانية الإسرائيلية بخيبة أمل بعد حرب السويس 1956 فإنها جابهت ما يشابه ذلك، ان لم يكن أسوأ منه، في الحرب الحالية. فلأسباب عديدة، لا مجال لسردها كلها هنا، أثارت هذه الحرب عداء قطاعات واسعة بين الأميركيين، ضد كل من إدارة ترامب وحكومة إسرائيل على حد سواء. ورافق ذلك تنامي المواقف والسياسات المعادية لإسرائيل وزعامتها. كما كان للاعتماد الإسرائيلي المفرط على المساعدات الأميركية ثمنا سياسيا واضحا، إذ اثبت، مرة أخرى، ان إسرائيل كدولة تابعة، لا يؤخذ دوما برأيها، وتجري مفاوضات لإنهاء الحرب، مثلا، دون الاكتراث كثيرا بمواقفها. ويبدو ان مؤامرات التحالف الإسرائيلية مع الاستعمار، ضد دول المنطقة، قد وصلت الى نهايتها التاريخية، إذ لن تجد إسرائيل بعد اليوم أية دولة كبرى تنخرط في هبلها. لقد اعتاد نتنياهو على التبجح بأنه سيقوم بتغيير خارطة الشرق الأوسط، ولا اقل من ذلك، الا أنه يبدو ان ما سيتم تغييره هو وجه نتنياهو نفسه ووجه إسرائيل معه.
من مجريات العدوان الأميركي الإسرائيلي حتى ألان، على ما آلت إليه محاولات الوصول الى نهاية لهذه الحرب، يبدو ان الخاتمة ستكون التأكيد، مرة أخرى، على ان إيران هي القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، شاء من شاء وأبى من أبى. وهذا وضع يفرض عليها التصرف وفق قواعد جديدة، ان أرادت الحفاظ على نفسها والاستمرار في لعب الدور المهيأ لها.
ومن هنا، على إيران المثابرة، ودون عوادة، على النهج النضالي المقاتل والمعادي، دون تردد، للاستعمار وإذنابه، تماما كما فعات منذ بداية هذه الحرب. نقول هذا لان ذلك لم يكن ما كان سائدا أيام المرشد السابق علي خامنئي. بل يبدو ان ذلك المرشد كان مصابا بنوع من الهبل السبحاني، فيعتقد، مثلا، ان الإصرار على تعميم الحجاب والنقاب والجلباب هي المعركة الكبرى، والحفاظ على هذا “الإرث” الفارط هو الحياة بعينها. بل ان الرجل ارتكب من الأخطاء المريعة ما اضر بنظامه بشكل مؤذ للغاية. ففي حالتين، مثلا، عندما ارتأت إيران قصف قواعد أميركية في العراق والخليج، ردا على اعتداءات غليها، قامت سلطاتها بإبلاغ الأميركيين مسبقا بنيتها تلك (كذا ؟!)، حتى تأخذ حذرها وتستعد لذلك (ما شاء الله). وبلغة أخرى كانت عمليات القصف تلك نوعا من مسرحيات سخيفة للضحك على ذقون الجماهير والمؤيدين وامتصاص غضبهم بطرق ملتوية. وليس هذا من الحكمة في شيء.
وباعتقادنا ان هذه السياسة الملتوية والخرعة هي التي شجعت المعتدين على اغتيال الرشد الكبير (الذي كان نفسه بحاجة الى الإرشاد) في اللحظات الأولى من نشوب القتال.
الا انه من الواضح ان الاستعمار، كعادته مؤخرا، اخطأ الحساب. فنزول الاعتدال المتخاذل عن المسرح فتح الطريق على مصراعيه إمام القوى المناضلة للرد بما يتوجب على العدوان.
ليس من الممكن الآن تلخيص نتائج هذه الحرب واستنتاج وقائع راسخة منها، خصوصا وان نهايتها لم تتضح حتى الآن. ولكن هناك نتيحه واحدة ساطعة وواضحة للعيان: ان كان هذا كل ما يستطيع المستعمرون الأميركيون، مع القط الإسرائيلي، فعله فأن الدنيا بخير، ونفوذهم الى أفول. وبالتالي قد نكون في بداية مرحلة جديدة من تاريخ المنظفة.
منذ أكثر من 150 سنة، وعلى وجه التحديد منذ منتصف القرن التاسع عشر، عندما راحت الإمبراطورية الثمانية تذوي وبدأ لاستعمار الأوروبي يتدخل في شؤونها، راحت أوضاع منطقتنا تخضه هموما للمصالح الاستعمارية. وآن الأوان لئن تعود مقدرات المنطقة الى أهلها.
فلنا مرة في تعليق على حالة مماثلة: “يعجز عنها العرب، فيتولاها العجم” – ويبدو ان القول صحيح.