لا يمكن النظر إلى انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح على أرض فلسطين بوصفه تفصيلًا تنظيميًا أو إجراءً اعتياديًا، بل هو حدث ذو دلالات سياسية وتاريخية عميقة، يعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الفعل الوطني الفلسطيني ومساراته. فحين نقارن بين المؤتمرات الخمسة الأولى التي انعقدت في الخارج، والمؤتمرين السادس والسابع اللذين عُقدا داخل فلسطين، وصولًا إلى المؤتمر الثامن، يتكشف أمامنا مسار كامل من التحوّل: من حركة منفية تعمل من خارج الجغرافيا، إلى حركة تمارس فعلها السياسي والتنظيمي على أرض الصراع ذاته.
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن اللحظة المفصلية التي دشّنها إعلان المبادئ (أوسلو)، وما تبعه من رسائل الاعتراف المتبادل، التي نقلت القضية الفلسطينية من إطار الصراع المفتوح خارج الأرض إلى إطار اشتباك سياسي مباشر على أرضها. صحيح أن هذا الانتقال جاء ضمن شروط مختلة، لكنه في الوقت ذاته أتاح إعادة تموضع للفعل الفلسطيني داخل الجغرافيا التي يدور عليها الصراع.
إن انعقاد المؤتمر داخل فلسطين يعبّر، في أحد أبعاده، عن تكريس حضور الفاعل الفلسطيني على أرضه، ليس فقط بوصفه شعبًا واقعًا تحت الاحتلال، بل بوصفه حاملًا لمشروع سياسي يسعى إلى تجسيد ذاته في دولة. وهنا تبرز العلاقة العضوية بين حركة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومشروع الدولة الفلسطينية، حيث لم يعد العمل الوطني محصورًا في التمثيل الخارجي، بل بات متداخلًا مع إدارة الفضاء الداخلي، بكل ما يحمله ذلك من تعقيدات.
في هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر دلالة إضافية تتعلق بطبيعة الصراع القائم اليوم، وهو صراع بين مشروعين يتنازعان الأرض نفسها ومن أجلها:
المشروع الصهيوني، الذي سعى منذ نشأته إلى فرض وقائع سيادية كاملة على الأرض،
والمشروع الفلسطيني، الذي يعمل، رغم اختلال موازين القوى، على تثبيت حضوره السياسي والوطني عليها.
وعليه، فإن انعقاد المؤتمر على أرض فلسطين لا يعني فقط ممارسة حق تنظيمي، بل يشكّل فعلًا سياسيًا بحد ذاته، يؤكد أن الصراع لم يُحسم، وأن الأرض ما زالت ساحة اشتباك مفتوح، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا ووجوديًا.
كما أن هذا التحول يعيد تعريف معنى الكفاح الفلسطيني. فبعد أن كان الكفاح يُمارس أساسًا من خارج الأرض، أصبح اليوم يُخاض من داخلها، عبر أدوات متعددة: سياسية، وقانونية، وثقافية، ومؤسساتية، وشعبية. وهذا لا يلغي أشكال الكفاح الأخرى، بل يعيد توزيع أدوارها ضمن سياق جديد، تكون فيه الجغرافيا الفلسطينية مركز الفعل لا هامشه.
غير أن هذه الدلالة لا تخلو من التناقض. فانعقاد المؤتمر داخل الأرض المحتلة يتم ضمن قيود يفرضها الاحتلال نفسه، ما يعكس طبيعة المرحلة: حضور سياسي تحت السيادة الناقصة، وفعل وطني ضمن هامش متاح لا ضمن سيطرة كاملة. وهنا يتجلى التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل هذا الحضور من مجرد إدارة للواقع إلى أداة لتغييره؟
في المحصلة، فإن استمرار انعقاد مؤتمرات حركة فتح داخل فلسطين يعكس مسارًا مركّبًا يجمع بين الاعتراف السياسي والاشتباك المستمر، بين محاولة بناء الدولة واستمرار الصراع عليها. وهو بذلك يعبّر عن مرحلة تاريخية لم تعد فيها القضية الفلسطينية تُدار من خارجها، بل تُخاض من داخلها، بكل ما يحمله ذلك من فرص ومخاطر في آن واحد.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يستطيع هذا الحضور المتجذّر على الأرض أن يتحوّل إلى رافعة حقيقية لمشروع الدولة الفلسطينية، أم سيبقى محكومًا بسقف الواقع المفروض عليه؟









