الاستعمار والحروب أس البلاء

عمر حلمي الغول

قضية اللجوء والهجرة القسرية من أرض الوطن الأم، تختلف اختلافا جوهريا عن السفر أو الهجرة الطوعية لأي انسان الى دول أخرى بحثا عن العمل، أو لارتباطات اجتماعية أو فنية ثقافية، أو بحثا عن العلم. وتعود أسباب الهجرة القسرية الى عوامل عدة، من أبرزها: أولا وجود الاستعمار الأجنبي المباشر على أرض الوطن، ولم يبق من اشكال هذا النموذج في العالم الا إسرائيل، واستعمارها الأكثر وحشية وإغراقا في العنصرية التي تقوم على النفي والتطهير العرقي للشعب العربي الفلسطيني، ليس هذا فحسب، بل الادعاء ب “ملكية الأرض الفلسطينية”، باعتبارها “ارض الميعاد”، ولهذا تبنت الحركة الصهيونية شعارها الناظم والكاذب “ارض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، ونجم عن قيام الدولة العبرية في عام النكبة الأولى 1948، تهجير وطرد نحو مليون إنسان فلسطيني، ومازالت اسرائيل تواصل خيار الإبادة الجماعية، مما يضاعف من عدد اللاجئين والنازحين الفلسطينيين على مدار الساعة؛ ثانيا الحروب المتواصلة بين الدول في الأقاليم المختلفة، وكذلك الحروب الاهلية داخل حدود الدولة الواحدة، مثل الحرب الطاحنة في السودان الشقيق حتى الان، وكذلك الصراعات بين القوى السياسية والدينية والطائفية والمذهبية العقائدية والاجتماعية، التي تولد ضغطا كبيرا على مواطني البلد المحدد؛ ثالثا وجود الأنظمة الديكتاتورية والعسكرتاريا، التي تلجأ للقمع والاضطهاد والتمييز العنصري، وتكميم الافواه، وفرض القوانين الجبرية الطاردة للحياة، واغلاق الباب كليا أمام الحريات الخاصة والعامة.
جميع الاشكال المذكورة تولد وتضاعف من عمليات التهجير القسري، وتدفع المواطنين دفعا ارغاميا للبحث عن دول أكثر أمنا واستقرارا، ونتاج افرازات وتداعيات سياسات الأنظمة والحروب والصراعات فاق عدد اللاجئين في العالم ال 100 مليون إنسان في العالم. كان نصيب الشعب الفلسطيني ما يزيد عن 6,2 مليون إنسان فلسطيني، ويعتبر ملف اللجوء الفلسطيني الأكثر تعقيدا وخطورة على الاطلاق. لأنه يرتكز على أسس أخطر من اشكال اللجوء كافة، لأن الدولة الإسرائيلية اللقيطة القائمة على عمليات التطهير والنفي والتهجير والنزوح، أولا لا تعترف من حيث المبدأ باللاجئين؛ ثانيا ترفض عودتهم لديارهم، الا في شروط استثنائية جدا، ونتاج عوامل طارئة؛ ثالثا اعتبارها الإقرار بعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم، تهديدا لوجودها وبقائها؛ رابعا ولأن العودة تتنافى مع الأسس اللاهوتية العقائدية والسياسية التي أصلت لوجودها. رغم أن تلك الأسس لا أساس لها في الواقع ولا في التاريخ، وهي ضربا من الخزعبلات والاساطير الوهمية، التي استعملتها بالتعاون والتكامل مع اسيادها في الغرب الرأسمالي للتغطية على دورها الوظيفي في الوطن الفلسطيني لخدمة أهدافهم ومصالحهم الاستراتيجية في الوطن العربي عموما، وليس في فلسطين فقط.
ولهذا فإن ملف اللجوء الفلسطيني يعتبر ذات خصوصية وفرادة، بالمقارنة مع ملفات اللاجئين من باقي دول العالم. لا سيما وأن اللاجئين من الدول الأخرى، يسهل عليهم العودة الى أوطانهم بعد انزياح الأنظمة السياسية والدينية الطاردة للوجود الآمن لحياة الانسان، وانتهاء الحروب الاهلية أو الأوضاع الطارئة هنا أو هناك، والامثلة كثيرة في الساحة العربية والإقليمية والدولية، بعكس المعاناة القهرية للاجئ الفلسطيني، الذي ترفض دولة النازية الإسرائيلية حقه المبدئي بالعودة لوطنه الام، رغم أن اعتراف الأمم المتحدة بها، قام على إقرارها وتوقيع وزير خارجيتها الأول موشي شاريت على وثيقة أممية، مازالت موجودة في وثائق الجمعية العامة، تقر بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وفق القرار الدولي 194 مقابل الاعتراف بها. لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تلتزم يوما بأي قرار أو معاهدة مع الشعب الفلسطيني، أو الدول العربية الشقيقة أو الهيئة الدولية، وتنكرت كليا لقرارات الشرعية الدولية بفضل الدعم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وغياب المساءلة الدولية لها.
وما سبق له عميق الصلة، بحلول مناسبة اليوم العالمي للاجئين السنوية أول أمس السبت الموافق 20 حزيران / يونيو الحالي، لتجدد وتؤكد على أهمية التركيز ومنح الأولوية لملف اللاجئين الفلسطينيين، الذين بلغ عددهم في الوطن ودول الشتات والمهاجر الى ما يزيد عن 6,2 مليون لاجئ، الامر الذي يضاعف من المسؤولية الاجتماعية والإنسانية والقانونية والسياسية لهذا الملف على القيادة الفلسطينية والأنظمة العربية ودول العالم قاطبة وهيئة الأمم المتحدة وخاصة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “اونروا”، خاصة وأن ملف اللاجئين يعتبر أحد أهم ملفين في المسألة الفلسطينية، إلى جانب الأرض المحتلة، بل هما لب وجوهر القضية الفلسطينية، ودون حلهما لا يمكن أن تقوم قائمة لعملية السلام في المنطقة، وستبقى دورة الحروب والعنف والإرهاب والفوضى تهيمن على المشهد في الإقليم، وليس بين الفلسطينين والإسرائيليين الصهاينة المحتلين فقط.
ومع بلوغ المشروع الاستعماري الصهيوني الاحلالي والاجلائي الذروة، ومضاعفة الإبادة الجماعية المتلازمة مع التهجير القسري والتطهير العرقي الإسرائيلي لأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها العاصمة الأبدية القدس الشرقية، بهدف إقامة دولة إسرائيل الكاملة على فلسطين التاريخية، فإن عمليات التطهير تتضاعف بشكل جنوني، ولا تستثني أحدا من الفلسطينيين، ومن لم يصله مخطط الطرد والنفي، فإنه سيأتيه في قادم الزمن القريب، الامر الذي يستدعي من العالم الانتقال الى انتهاج سياسات مغايرة ومختلفة لحماية الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، ولحماية خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي طردوا منها منذ العام 1948 وحتى الان، وعلى أبناء الشعب الفلسطيني التجذر في تراب الوطن، ورفض التهجير مهما كانت التضحيات الجسام التي يدفعونها دفاعا عن حقهم في الحياة الكريمة على ارض وطنهم الام، ولعل تجربة أبناء الشعب في قطاع غزة ومخيمات اللجوء في محافظات الشمال في الضفة، تؤكد هذه الحقيقة، حيث رفض ويرفض الفلسطيني التهجير القسري، رغم الإبادة الوحشية وجرائم الحرب والانتهاكات الخطيرة الإسرائيلية من جيش الحرب الى قطعان المستعمرين والكنيست والقضاء الإسرائيلي الاستعماري. لأنهم أدركوا من تجربتهم الحية في المحطات التاريخية السابقة، ان الاستسلام لخيار التهجير الإسرائيلي يعني ضياع الوطن والحرية والاستقلال والسيادة والعودة وتقرير المصير، وهو ما لا يمكن للفلسطيني القبول به.
[email protected]
[email protected]