جاري التحميل...

البروفيسور عبد العظيم بن صغير… حين يصبح الفكر جسرًا بين الجزائر وفلسطين

«قاعة فلسطين»… اسمٌ يتجاوز المكان ليصبح موقفًا إنسانيًا
بقلم: د. صالح الشقباوي

في زيارتي اليوم إلى البروفيسور عبد العظيم بن صغير، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية ببودواو، لم أكن أمام شخصية أكاديمية فحسب، بل أمام نموذج للمثقف الذي يجعل من المعرفة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن الجامعة فضاءً رحبًا للحوار والاختلاف وإنتاج الوعي.
إنه ابن الجزائر الشامخة، وأحد الذين يجسدون في مسيرتهم العلمية والإنسانية عمق الانتماء الوطني الجزائري، دون أن ينغلقوا داخل حدود الجغرافيا، بل ينفتحون على الإنسان وقضاياه العادلة، أينما كان، وعلى آلام المظلومين وآمال الشعوب التي تناضل من أجل حريتها وكرامتها.
لقد شعرت، وأنا ألتقيه في رحاب كليته، أنني أمام عقل لا يكتفي بإنتاج الإجابات، بل يمتلك شجاعة مساءلتها، وعقل لا يغلق أبواب المعرفة، بل يفتحها على أسئلة جديدة. هناك، يصبح الفكر نبعًا يجدد ذاته من ذاته، ويغدو الاختلاف شرطًا للحياة الجامعية، لا سببًا للإقصاء أو الخصومة.
إن الجامعة الحقيقية ليست مؤسسة تمنح الشهادات فحسب، وإنما هي فضاء تتفاعل فيه العقول، وتتعدد داخله الرؤى، ويتعلم الإنسان كيف يختلف دون أن يعادي، وكيف يناقش دون أن يلغي، وكيف يجعل من الحقيقة أفقًا مفتوحًا للبحث، لا ملكية مغلقة يحتكرها فرد أو اتجاه.
ومن هنا، تتجلى القيمة الفكرية والإنسانية للمكان الذي يقوده البروفيسور عبد العظيم بن صغير؛ فحين يجد التنوع فضاءه، والاختلاف شرعيته، والحوار مكانته، تتحول الجامعة إلى ممارسة حية للعقل النقدي، وإلى مؤسسة تصون كرامة الإنسان وقيمته المعرفية والوجودية.
ولعل أكثر ما يبعث على الاعتزاز والامتنان هو إطلاق اسم «قاعة فلسطين» على إحدى قاعات التدريس في هذه الكلية العريقة. إن فلسطين هنا ليست مجرد اسم يُكتب على باب قاعة، ولا عنوانًا عابرًا في سجل الجامعة، بل هي ذاكرة شعب، وتاريخ معاناة، وإرادة بقاء، ورمز لقضية تختبر ضمير الإنسانية وقدرتها على الانتصار للعدل والحرية والكرامة.
إن تسمية قاعة جامعية باسم فلسطين تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تضع القضية الفلسطينية في قلب الفضاء المعرفي، وتفتح أمام الأجيال بابًا للتفكير في أسئلة الحق والتاريخ والعدالة، وفي العلاقة بين القانون وحقوق الشعوب، وبين المعرفة والمسؤولية الأخلاقية.
ومن منظور فلسفي، فإن فلسطين ليست قضية أرض فحسب، بل قضية وجود واعتراف وحق في الحرية وتقرير المصير. إنها سؤال أخلاقي ومعرفي يواجه الضمير الإنساني، ويذكّرنا بأن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا حين تقترن بالدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه.
أيها البروفيسور العزيز عبد العظيم بن صغير، إن فلسطين التي احتضنتها قاعتكم ستظل ممتنة لكل موقف أكاديمي وإنساني يمنحها مكانًا في الوعي، ويؤكد أن التضامن مع الشعوب المظلومة ليس خروجًا عن رسالة الجامعة، بل تعبير عن أسمى معانيها.
حفظك الله، وحفظ الجزائر التي علمتنا أن الأوطان الكبيرة لا تُقاس بمساحاتها وثرواتها وحدها، بل أيضًا بمواقفها، وبما تحمله من قيم التحرر والتضامن، وبقدرتها على جعل الإنسان محورًا للفكر والغاية من المعرفة.
كل التحية والتقدير للبروفيسور عبد العظيم بن صغير، وللجزائر الشامخة، ولجامعة تجعل من العلم فضاءً للحوار، ومن فلسطين اسمًا حاضرًا في الذاكرة الأكاديمية والوجدان الإنساني.