الجهميّةُ أو المُعَطِّلَةُ هي فرقةٌ كلاميَّة تنتسب إلى الإسلام. وهي إحدى فرق غلاة المُرجئة التي ظهرت ردًا على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، (فهناك من يرى أنها فرقة تأويليّة تنزع للعقل، بينما ينظر أغلب أئمّة أهل السنة والجماعة إليها على أنها فرقة مارقة وذات أفكار وعقائد فاسدة، بل وينكرون نسبتها إلى الإسلام.) . (1).
ظهرت الفرقة الجهميّة في الربع الأول من القرن الهجري الثاني على يد مؤسسها “الجهم بن صفوان” الترمذي، الذي ولد في الكوفة ونشأ فيها، وهناك رافق “الجعد بن درهم” بعد قدومه إلى الكوفة هارباً من دمشق وتأثر بتعاليمه. وهو – أي الجهم – من الجبريّة الخالصة, ولقد وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية للإله.
قتل “الجهم بن صفوان” عام 128 هجري بعد اشتراكه مع “الحارث بن سريج التميمي” في الثورة على الدولة الأمويّة. وبعد مقتل “الجعد بن درهم” على يد “خالد بن عبد الله القسري” عام 105هـ, واصل الجهم نشر أفكاره وصار له أتباع إلى أن تم نفيه إلى (ترمذ) في خراسان حيث نشأت ثورته هناك. (2). (ويقال لهم مرجئة أهل خراسان، وترمي معتقداتهم إلى إرجاع المسلمين إلى العقائد السائدة فى العصر الجاهلي).(. (3).
وكان هؤلاء الجَهْميَّةُ العَقَبةَ الكَؤودَ في طريقِ العقيدةِ السَّلَفيَّةِ النَّقيَّةِ وانتشارِها كما يقول مشايخ وفقهاء السلفيّة, حيثُ صرَفوا أو أبعدوا عُلَماءَ السَّلَفِ عن نَشرِها بما وضَعوا أمامَهم من عراقيلَ شغلَتْهم، وأخذَت الحيِّزَ الأكبرَ من أوقاتِهم في ردِّ شُبُهاتِ الجَهْميَّةِ، ومجادلاتِهم لهم، وخصامِهم معهم، وقد يظُنُّ بعضُهم أنَّها أمسَت حديثَ الماضي والتاريخِ، إلَّا أنَّ الواقِعَ يشهَدُ تأثُّرَ كثيرٍ من الفِرَقِ بها، كالمُعتزِلةِ والأشاعِرةِ، بل إنَّ لقَبَ الجَهْميَّةِ غلَب على المُعتَزِلة في عهدِ المأمونِ.
هذا وقد أفتى علماء ودعاة السلف آنذاك بمروق “الجهمية” من الدين.
قال ابنُ تيميَّةَ: (أوَّلُ من أنكَر حقيقةَ محبَّةِ اللهِ لعَبدِه والعبدِ لرَبِّه في الإسلامِ هو الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ). (4)
وقال أيضًا: (كان الجَعدُ هذا أوَّلَ من ظهَر عنه التَّعطيلُ بإنكارِ صفاتِ اللهِ تعالى، وبإنكارِ محبَّتِه وتكليمِه). (5)
وقال الذَّهبيُّ: (عِدادُه في التَّابعينَ، مُبتدِعٌ ضالٌّ، زعم أنَّ اللهَ لم يتَّخِذْ إبراهيمَ خليلًا، ولم يُكلِّمْ موسى، فقُتِلَ على ذلك بالعِراقِ يومَ النَّحرِ). (6).
وقال أبو حنيفة في “جهم بن صفان”: ( إنه كافر ضال لما بلغه من مخالفاته الكثيرة لعقيدة أهل السنة والجماعة.
وذكر الفقيه ابن قيم الجوزية في قصيدته المعروفة باسم “النونية”، أن خمسمائة من علماء البلدان المختلفة أفتوا بذلك) (7). وهذا ما أوجد مسوغًا شرعيًّا قويًّا للأمويين فى شن الحرب عليهم بعد انضمامهم لتمردات (الموالي) التي حدثت فى الولايات الشرقيّة من الدولة.(8).
مع بداية القرن الثالث للهجرة بدأت الجهمية بالانحسار، ويرى بعض العلماء والمؤرخون أن الجهمية لم تنته فعلاً، فقد جاء بعدهم من وافقهم في بعض معتقداتهم، كالمعتزلة في نفيهم صفات الله الأزليّة، و تأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، و قولهم بأن القرآن مخلوق، و نفيهم رؤية الله في الآخرة. و أما الأشعريّة والماتريديّة فقد وافقوهم في تأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، كاليد و الوجه، و في تعطيل صفات الله الأزليّة. (9).
معتقدات الجهمية:
1- تنزيه الله ونفي التشبيه, وتأويل الآيات التي تشعر بالتشبيه، كيد الله ووجهه سبحانه وتعالى.
2- ومن الصفات التي أولوها صفة الكلام، فكانوا يقولون إن كلام الله إنما هو داخل نفسه – سبحانه وتعالى – وترتب على ذلك القول بخلق القرآن.
3- كما نفوا رؤية الله في الآخرة واحتجوا بقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار }، وقالوا بأن طبيعة الإله أعلى من أن ترى بالأبصار البشرية.
4- نفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، وقالوا بأن هذه الصفات هي عين ذاته، وليست مستقلة عنه, أي أنه ليس قادراً بقدرة غير ذاته، وليس مريداً بإرادة غير ذاته، وليس عالماً بعلم غير ذاته.
5- الإنسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل، بل هو مجبور بما يخلقه الله من الأفعال مثل ما يخلقه في سائر الجمادات، ونسبة الفعل إليه إنما هو بطريق المجاز كما يقال: جرى الماء وطلعت الشمس وتغيَّمت السماء.. إلى غير ذلك، وبسبب هذه النقطة يعدون من الجبرية.
6- الإيمان عقدٌ بالقلب وإن تلفظ الشخص بالكفر، وأن الإيمان لا يضر معه شيء، وبسبب هذه النقطة يعدون من المرجئة.
7- أن الله موجود بالأمكنة كلها، وهو كما يقول “:ابن خزيمة” في “التوحيد”: (هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء.).
8- القول بفناء الجنة والنار، حيث قالو أنه لا يتصور حركات لا تتناهى أولاً, فكذلك لا يتصوَّر حركاتٌ لا تتناهى آخراً، وحملوا قوله تعالى: { خالدين فيها أبداً } على المبالغة، واستدل الجهم بن صفوان على الانقطاع بقوله تعالى: { إلا ما شاء ربك }، وقال: ((ولو كان مؤبداً بلا انقطاع لما استثنى)). (10).
الرد على الجهميّة:
رد أهل السنة على نفيهم صفات الله الأزلية، وتأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، فقالوا: بأنه يجب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من الإيمان بالصفات على الحقيقة من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.
كما رد أهل السنة على قولهم بأن (الإيمان لا تضر معه معصية) فيما يعرف بقاعدة الإيمان يزيد وينقص، فقالوا: بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ورد أهل السنة أيضاً على قولهم بأن (الله موجود في الأمكنة كلها)، بأنه ثبت في القرآن والسنة أن الله فوق السماء واستدلوا بقول الله تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقوله (وهو القاهر فوق عباده) وقوله (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية (أين الله؟) فقالت في السماء فقال (من أنا؟) فقالت أنت رسول الله فقال (أعتقها فإنها مؤمنة)
وأما قولهم بفناء الجنة والنار، فقد اعتُبر مخالفاً لصريح القرآن والأحاديث. (11).
ملاك القول: إن من ينظر في معتقدات الجهميّة وردود أهل السنة والجماعة عليهم, يجد أن كلا الطرفين قد أدخلا أنفسهما في قضايا لا يعلم بها إلا الله, كقضية الصفات, والقدم, وخلق القرآن, وموقع الايمان والكفر, وفناء الجنة والنار, وهل يرى الله يوم القيام أو لا, وغير ذلك من قضايا لا تتعلق أصلا بوظيفة الدين ومكانته في حياة الناس الاجتماعيّة ومصالحهم , كونه نزل أصلاً لحل مشكل الناس ورفع الظلم عنهم, وتحقيق العدالة والمساواة بينهم, فأدخلوا أنفسهم في قضايا كما قلت لا يعلم بها إلا الله فاقتتلوا وكفروا بعضهم ولا زالوا على ذلك سائرين.
كاتب وباحث من سوريّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- (موقع اليوم السابع – “الجهمية”.. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ – محمد عبد الرحمن).
2- الويكيبيديا. بتصرف.
3- (موقع اليوم السابع – “الجهمية”.. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ – محمد عبد الرحمن).
4- (موقع الدرر السنيّة – الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ).
5- التعريف بالجهميّة – المرجع نفسه.
6- التعريف بالجهمية – المرجع نفسه.
7- (موقع اليوم السابع – “الجهمية”.. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ – محمد عبد الرحمن).
8- موقع الدرر السنيّة – الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ.
9– (موقع المعرفة – الجهميّة – عقيدة الجهميّة). كما يراجع في عقائدهم موقع الويكيبيديا.
10- موقع المعرفة – الرد على الجهميّة.
11- لمعرفة أهم شخصيات التيار الجهمي وردود مشايخ وفقهاء السلفية عليهم, يراجع موقع الدرر السنيّة – التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ -الفَصلين الثاني والثالث.