الحركة الفلسطينية: الأسيرة بين صمود الإرادة وتصاعد التداعيات الصهيونية ذات البعد التلموذي….

بقلم / محمود أبو زبيدة

تُعدّ الحركة الأسيرة الفلسطينية إحدى أبرز تجليات النضال الوطني الفلسطيني، حيث شكّلت على مدار عقود مدرسة ثورية متكاملة، حافظت على الهوية الوطنية وأسهمت في إنتاج الوعي السياسي داخل وخارج السجون. لم يكن الأسر في التجربة الفلسطينية مجرد حالة اعتقال، بل تحوّل إلى فضاء مقاومة منظم، استطاع فيه الأسرى فرض معادلات إنسانية ونضالية رغم قسوة السجّان.
منذ بدايات الاحتلال، انتهجت سلطات الاحتلال سياسة ممنهجة لكسر إرادة الأسرى، تمثلت في الاعتقال الإداري، العزل الانفرادي، الإهمال الطبي، ومنع الزيارات. إلا أن الحركة الأسيرة واجهت هذه السياسات بإبداع نضالي، تمثل في الإضرابات الجماعية عن الطعام، وتشكيل الأطر التنظيمية داخل السجون، وصياغة “الدستور الاعتقالي” الذي نظم الحياة اليومية للأسرى.
في المرحلة الراهنة، تشهد السجون تصعيدًا غير مسبوق في الإجراءات القمعية، خاصة بعد صعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل حكومة الاحتلال. هذه الإجراءات لم تعد تقتصر على البعد الأمني، بل أخذت منحى أيديولوجيًا عميقًا، يستند إلى تصورات دينية تلمودية تُضفي شرعية على القمع والإقصاء. فوفق هذه الرؤية، يُنظر إلى الفلسطيني باعتباره “آخر” لا يتمتع بحقوق متساوية، ما يبرر سياسات التنكيل والتجريد من الإنسانية.
يتجلى هذا البعد التلموذي في عدة ممارسات، منها تشديد القيود على الأسرى، تقليص حقوقهم الأساسية، والتعامل معهم بمنطق العقاب الجماعي. كما يظهر في الخطاب السياسي لبعض قادة الاحتلال الذين يدعون صراحة إلى تشديد العقوبات، بل وحتى إعدام الأسرى، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والإنسانية.
في المقابل، تواصل الحركة الأسيرة تطوير أدواتها النضالية، معتمدة على وحدة الصف والتضامن الداخلي، رغم محاولات التفكيك. وقد شهدت السنوات الأخيرة نماذج بطولية في الإضرابات الفردية والجماعية، التي أعادت قضية الأسرى إلى الواجهة الدولية، وفضحت ممارسات الاحتلال.
إن المعركة داخل السجون ليست معزولة عن السياق الوطني العام، بل هي جزء أصيل من مشروع التحرر الفلسطيني. فالأسرى يمثلون ضمير القضية الحي، وصمودهم يعكس عمق الانتماء الوطني. كما أن استهدافهم يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود السجن، ليطال مجمل الهوية الفلسطينية.
ختامًا، تبقى الحركة الأسيرة عنوانًا للصمود والتحدي،وجزء لا يتجزء من المشروع النضالي الفلسطيني لا سيما هناك حلقة ترابط بين الاسير الفلسطيني وذويه مع الحاضنة الشعبية للاسرى وهاذ واضح في اللجان المعمول بها داخل مكونات العمل الوطني الفلسطيني في مواجهة منظومة استعمارية تسعى إلى كسر الإنسان قبل الأرض. ورغم تصاعد التداعيات الصهيونية ذات الطابع الأيديولوجي، فإن إرادة الأسرى تظل عصية على الانكسار، حاملةً رسالة الحرية التي لا يمكن قمعها، مهما اشتدت أدوات القمع.
الحرية لأسرانا البواسل.
على هامش المقال، قبل أكثر من ثمانية أعوام، كنت أعمل باللجنة الدولية للتضامن مع القائد أحمد سعدات. أداوم كل يوم اثنين أمام الصليب الأحمر بغزة تضامنًا مع أسرانا البواسل. كانت أمهات الأسرى تردد هتافات ما زلت أسمعها إلى هذا اليوم، أشهرها: “اطلع يا قمر ونوّر الكرة الأرضية”، واصفات أبناءهن بالأقمار التي تنوّر العالم وتنوّر قلوبهم. كانت الأغاني الفلسطينية الداعمة للأسرى، التي شكلت دورًا أساسيًا في تعبئة الثورة، حاضرة. لا يمكن وصف مشاعر أهالي الأسرى وأمهاتهم وهم يعتصمون أمام الصليب بكل روح وطنية وتفاؤل وأمل بأن يتحرر أبناؤهم، وهم بكل عزيمة يختتمون الاعتصام بتوديع بعضنا البعض على أمل اللقاء القادم وأسرانا أحرار.
لكم المجد يا أمهاتنا الأسيرات.

* قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين