الحزب الديمقراطي: صراع إرادة الناخبين مع المؤسسة السياسية المالية الحاكمة الدعمة لإسرائيل

ما تؤكده استطلاعات الرأي خلال السنوات العشر الماضية، وخاصة منذ الحرب على غزة، أن اغلبية الحزب ضد السياسات الإسرائيلية لكن الموقف مختلف لدى مؤسسة الحكم في الحزب ودوائر التمويل والنفوذ المرتبطة به.
ورغم استمرار وسائل الإعلام الأميركية في الحديث عن “انقسام داخل الحزب الديمقراطي حول إسرائيل”، فإن الأرقام تشير إلى واقع مختلف تماما. فالقضية لم تعد خلافا بين الديمقراطيين أنفسهم بقدر ما أصبحت صراعا بين إرادة الناخبين من جهة، والمؤسسات السياسية والمالية التي ما زالت متمسكة بالدعم التقليدي لإسرائيل من جهة أخرى.
وفقا لاستطلاع جامعة كوينيبياك في أغسطس 2025، قال 77% من الديمقراطيين إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مقابل 11% فقط قالوا إنها لا ترتكب ذلك. كما أظهر استطلاع نيويورك تايمز/سيينا في مايو 2026 أن 74% من الديمقراطيين يعارضون تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية إضافية لإسرائيل، بينما أيد ذلك 20% فقط.
أما استطلاع Institute for Global Affairs/YouGov الصادر في يونيو 2026 فأظهر أن 67% من الديمقراطيين يعتقدون أن العلاقة الأميركية مع إسرائيل تضر الولايات المتحدة أكثر مما تفيدها، في حين رأى 5% فقط أنها تحقق فائدة أكبر من الضرر.
وفي استطلاع NBC News خلال مايو 2026، قال 67% من الديمقراطيين إنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 17% فقط يتعاطفون مع الإسرائيليين. والأكثر دلالة أن نسبة الديمقراطيين الذين يحملون نظرة إيجابية تجاه إسرائيل انخفضت إلى 13% فقط، مقارنة بـ34% عام 2023.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تحول عابر في الرأي العام، بل تشير إلى إعادة تشكيل عميقة للموقف السياسي داخل الحزب الديمقراطي. فعندما تصبح نسبة المؤيدين لإسرائيل داخل الحزب أقل من نسبة المؤيدين لبعض المواقف المحافظة التقليدية مثل السماح بالصلاة المسيحية في المدارس الحكومية أو حظر الإجهاض بالكامل، فإن الحديث عن إسرائيل بوصفها قضية خلافية يصبح بعيدا عن الواقع.
ورغم هذا التحول، فإن قيادة الحزب الديمقراطي لا تزال تتحرك في اتجاه مختلف. فشخصيات بارزة مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر تواصل الدفاع عن العلاقة التقليدية مع إسرائيل، بينما يواصل كبار الممولين المرتبطين باللوبي المؤيد لإسرائيل لعب دور محوري في رسم أولويات الحزب وانتخاب مرشحيه.
وتتجلى هذه الفجوة بصورة واضحة في تعامل الحزب مع التشريعات المتعلقة بالحرب في غزة أو لبنان. فعندما طرحت النائبة رشيدة طليب مشروع قرار يهدف إلى إنهاء الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية في لبنان، سارع عدد من قيادات الحزب إلى تصوير المشروع باعتباره خطوة مثيرة للانقسام. لكن استطلاعات الرأي أظهرت أن 62% من الديمقراطيين يؤيدون ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل لوقف القصف والانسحاب من جنوب لبنان، مقابل 17% فقط يعارضون ذلك.
بمعنى آخر، فإن الموقف الذي اعتبرته بعض القيادات “مثيرا للجدل” يمثل في الواقع رأي الأغلبية داخل الحزب.
وفي المقابل، تدرك المنظمات المؤيدة لإسرائيل حجم هذا التحول الشعبي، ولذلك كثفت تدخلها في الانتخابات التمهيدية للكونغرس. ووفقا للتقارير، أنفقت أربع من أبرز المنظمات واللجان السياسية المؤيدة لإسرائيل ما يقارب 50 مليون دولار في السباقات الانتخابية الاولية خلال الدورة الحالية التي جرت فقط في نصف الولايات بمعنى ان هناك مبلغ اخر مشابه سيصرف خلال الاشهر القادمة.
كما يمتلك الصندوق السياسي الرئيسي المرتبط بأيباك ما يقارب 100 مليون دولار جاهزة للإنفاق في انتخابات 2026، مقارنة بحوالي 35 مليون دولار عام 2022. ومنذ بدء التدخل المباشر في الانتخابات التمهيدية، تجاوز إجمالي ما أنفقته هذه الشبكات أكثر من 221 مليون دولار.
هذه الأرقام تعكس إدراكا متزايدا لدى مؤسسات النفوذ التقليدية بأن الموقف السياسي داخل الحزب يتحرك في اتجاه مختلف، وأن الحفاظ على النفوذ السياسي يتطلب إنفاقا ماليا متزايدا لتعويض التراجع في التأييد الشعبي.
ولا يقتصر الأمر على جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وحدها. فالحرب والعلاقة العسكرية مع إسرائيل تمثل أيضا مصلحة اقتصادية مباشرة للمجمع الصناعي العسكري الأميركي. فمن أصل نحو 22 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لإسرائيل منذ أكتوبر 2023، ذهب ما يقارب 75% إلى شركات السلاح الأميركية، ما يخلق شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية واللوبيات السياسية المرتبطة باستمرار هذا الدعم.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: فبينما يقول 77% من الديمقراطيين إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، لا تتجاوز نسبة أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذين يستخدمون هذا الوصف علنا 8.5%. وبينما يتعاطف الديمقراطيون مع الفلسطينيين بنسبة تقارب أربعة مقابل واحد، لا يزال عدد النواب الذين يضعون حقوق الفلسطينيين في صلب أجندتهم محدودا للغاية.
إن ما يحدث ليس انقساما متساويا داخل الحزب الديمقراطي، كما تصوره وسائل الإعلام، بل صراعا بين القاعدة الشعبية للحزب وقيادته السياسية الصهيونية او المرتشية من الصهاينة.
ويبقى السؤال مفتوحا: إلى أي مدى تستطيع المؤسسات السياسية والمالية الاستمرار في مقاومة هذا التحول؟ وهل تستطيع الأموال واللوبيات تأجيل التغيير فقط، أم أنها قادرة فعلا على إيقافه؟
التاريخ السياسي الأميركي يشير إلى أن الفجوة بين الناخبين وممثليهم قد تستمر سنوات، لكنها نادرا ما تستمر إلى الأبد. وعندما تصبح إرادة القاعدة الشعبية مختلفة جذريا عن إرادة النخب الحزبية، فإن الصراع حتما سيكون لصالح الاغلبية الشعبية وهي التي ستقرر في النهاية هوية الحزب ومستقبله.