الحقيقة الممكنة: بين العقل البرهاني والعرفان الذوقي والخطاب الأبستمولوجي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في مدارات الفكر الفلسفي، ظلّت مسألة الحقيقة تشكّل سؤال الوجود الأعظم، ومشكلة المعنى القصوى التي دار حولها جدل الفلاسفة والمتكلمين والصوفية والعقلانيين عبر العصور. ولعل هذه الإشكالية تمثل مفترقاً عميقاً بين الرؤية الأبستمولوجية التي تسعى إلى استكشاف شروط المعرفة وحدودها وإمكاناتها، وبين التصورات الميتافيزيقية أو البرهانية التي ترى الحقيقة كجوهر مطلق، مستقل عن التجربة وحدود الذات.

في الفلسفة العربية الإسلامية، احتلت الحقيقة موقعاً مركزياً، فجعلها فلاسفة المشّائين كالفارابي وابن سينا ثمرة البرهان العقلي المحض، متأثرين بالتراث الأرسطي الذي يرى أن العقل، بما هو أداة الاستدلال ومصدر اليقين، هو السبيل الأسمى لتحصيل المعرفة الحقة. فالحقيقة عندهم لا تُنال إلا بارتقاء العقل من المحسوس إلى المعقول، ومن المتغيّر إلى الثابت، حتى يتصل بالعقل الفعّال الذي هو منبع الصور المعقولة في الوجود.

وعلى النقيض من هذا الاتجاه، جعل المتصوفة كابن عربي والسهروردي وأبو يزيد البسطامي الحقيقة شأناً ذوقياً، حضورياً، لا سبيل إليه إلا بالكشف والذوق والعرفان، لا بالبرهان ولا بالحجاج، معتبرين أن نور الحقيقة يُلقى في القلب من “لدن الله”، لا يصطنعه الإنسان بصناعته الفكرية، بل يتلقاه من الفيض الإلهي بما يشبه اللدنية التي امتاز بها الخضر في القصص القرآني.

أما أهل الظاهر – من الحنابلة وأتباع المدرسة النصية – فقد حصروها في ظاهر النصوص الدينية، نافين إمكان التأويل أو الغوص في المعاني الباطنية، مؤسسين لتيار معرفي يقوم على البيان والتبيين، حيث الحقيقة هي ما دل عليه النص صراحة دون إضافة العقل أو الذوق.

وفي وسط هذا المشهد الفكري، نجد المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية قد جمعوا بين البيان والبرهان، لكن على طريقة الجدل والكلام، معتبرين أن العقيدة تُبنى بالحجاج وتدعيم المقدمات للوصول إلى اليقين العقدي، مع ميل المعتزلة إلى تغليب العقل، وميل الأشاعرة إلى توقيفه عند حدود النص، في حين سلكت الفرق الأخرى كالمرجئة والخوارج والشيعة مسالك جدلية متفاوتة في تأصيل الحقيقة.

وأما الغرب الفلسفي، فقد ابتدأ مع ديكارت بإقامة الحقيقة على قاعدة الشك المنهجي، حيث العقل هو القاضي الأعلى، والحقيقة هي ما يتجلى له بوضوح وتميُّز. في حين أن البريطانيين التجريبيين – كلوك وهيوم وميل – جعلوا التجربة الحسية أصل كل معرفة، فالحقيقة لا تستند إلى البداهة العقلية بل إلى معطيات الحواس والاختبار. وفي اتجاه آخر، رأى برغسون أن الحدس هو السبيل الأصدق إلى الحقيقة، لأنه يتصل بجوهر الشيء لا بمظهره الذهني.

وفي أمريكا، أرسى وليام جيمس مذهب البراغماتية الذي يربط الحقيقة بالمنفعة والجدوى العملية، لا بالصواب المطلق، بينما مثّل نيوتن نموذج اليقين العلمي القائم على الحتمية والسببية، في مقابل نسبية الحقيقة عند إنشتاين الذي جعلها مرتبطة بنسبية الزمان والمكان. أما نيتشه فقد كان هادم الحقيقة الكبرى، نافياً وجود حقيقة مطلقة، معتبراً أن ما نسميه “حقيقة” ليس إلا أوهاماً صلبة بنتها اللغة والثقافة.

وهكذا تتبدّى الحقيقة كمفهوم متشظٍّ بين الأبستمولوجيا والميتافيزيقا، بين البرهان العقلي والحدس الصوفي، بين النص الظاهري والجدل الكلامي، بين الحسية والعقلانية، بين النفعية واليقين، بين النفي والإثبات. وربما كان هذا التعدد عينه هو الحقيقة الوحيدة الممكنة: أن الحقيقة ليست واحدة، بل هي متعددة بقدر تعدد العقول والمناهج، نسبية بقدر تنوّع الأنساق والرؤى، وأن طلبها يظل مفتوحاً، لا يُختتم إلا بانغلاق الفكر نفسه.