أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
ليست قيمة الإنسان في هيئته أو في ملامحه الخارجية، بل في مقدار اندماجه بالحياة التي ينتمي إليها، وفي قدرته على تمثلها بكل جوارحه، حتى يصبح تعبيراً عنها، وصوتاً لوجدانها، وامتداداً لمعناها التاريخي. فالإنسان الحقيقي هو ذلك الكائن الذي يعيش قضيته، ويتماهى مع شعبه، ويستمد من انتمائه القدرة على تمثيل الحياة ذاتها، والدفاع عن قيمها، وصياغة معناها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم شخصية سعادة سفير دولة فلسطين لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية الدكتور ليث عرفة، بوصفه واحداً من أبرز الوجوه الوطنية الفلسطينية التي جمعت بين الجذور التاريخية، والتكوين الأكاديمي الرفيع، والكفاءة الدبلوماسية، والرؤية الفكرية العميقة.
ينحدر الدكتور ليث عرفة من قرية قاقون الفلسطينية، تلك القرية التاريخية التي وثقها الجغرافي العربي الكبير ياقوت الحموي، والتي كانت من القرى الفلسطينية العامرة قبل نكبة عام 1948، واشتهرت بأرضها الخصبة وبياراتها الواسعة، ومنها بيارة والده الدكتور عدنان عثمان عرفة التي كانت تضم خمسةً وعشرين بيارة، في صورة تختزل علاقة الفلسطيني بالأرض، وتجسد عمق انتمائه التاريخي إليها.
لقد أنجبت قاقون شخصيات وطنية واعتبارية تركت بصمتها في التاريخ الفلسطيني، ويأتي الدكتور ليث عرفة امتداداً لهذه المدرسة الوطنية التي حملت فلسطين في الوعي كما حملتها في الوجدان.
وقد عزز هذا الانتماء الوطني بمسيرة أكاديمية متميزة، توجها بالحصول على درجة الدكتوراه في الإدارة والسياسات العامة من جامعة هارفارد، ليجمع بين المعرفة العلمية الرفيعة والخبرة السياسية، ويوظفهما في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
وعندما عين سفيراً لدولة فلسطين لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 2022، لم ينظر إلى منصبه باعتباره وظيفة بروتوكولية، بل باعتباره مسؤولية تاريخية في واحدة من أهم العواصم الأوروبية وأكثرها تأثيراً في صناعة القرار الدولي، فعمل على تمثيل القضية الفلسطينية، وحشد الدعم السياسي والإنساني لها، وفتح قنوات الحوار مع مختلف المؤسسات الألمانية، في مرحلة بالغة التعقيد من تاريخ القضية الفلسطينية.
لقد تميز أداء السفير ليث عرفة بقدرته على صياغة سردية وطنية فلسطينية متماسكة، استطاع من خلالها أن يفكك الكثير من مرتكزات السردية السياسية الإسرائيلية، وأن يخاطب المجتمع الألماني بلغة القانون الدولي والعدالة والحقوق الإنسانية، بعيداً عن الانفعال، وقريباً من المنطق التاريخي والأخلاقي الذي ينسجم مع الضمير الإنساني.
وأرى أن الدكتور ليث عرفة يمثل نقطة إبداعية قصوى داخل منظومة الإبداع البنيوية للدبلوماسية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة البنية الدبلوماسية الفلسطينية كما أسسها الرواد الأوائل للدبلوماسية الوطنية المعاصرة.
ولعلني، كمفكر وكاتب ومناضل فلسطيني، لا أبالغ إذا قلت إن الحركة الفكرية والسياسية التي يقودها السفير ليث عرفة في ألمانيا، على صعيد تعرية السردية الصهيونية، والكشف عن بنيتها الفكرية والسياسية، والوصول إلى البنية العميقة للاشعور السياسي الذي تستند إليه داخل البيئة الألمانية، تعد من أكثر المشاريع الفكرية الفلسطينية تماسكاً، وانضباطاً، ووعياً، وإثارة للنقاش في الساحة الألمانية، ولا سيما أن ألمانيا تمثل إحدى أهم البيئات المؤثرة في تشكيل المواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية.
إنه لا يكتفي بالدفاع عن فلسطين، بل يعمل على إعادة بناء صورتها في الوعي الأوروبي، وإعادة تقديم الفلسطيني بوصفه صاحب حق تاريخي، وصاحب قضية عادلة، وشعباً يسعى إلى الحرية والاستقلال، بعيداً عن التشويه الذي أنتجته عقود طويلة من الدعاية السياسية.
ويغوص فكر الدكتور ليث عرفة في أعماق الإشكاليات المطروحة دون مجاملة أو مهادنة، مستنداً إلى معارفه المتعددة حول فلسطين بوصفها قضية وطنية وإنسانية، فيشرحها، ويفسر تحولاتها، ويبحث عن المعقول الكامن فيها وراء التحولات السياسية المتسارعة، حيث تجسدت استراتيجيته الحفرية من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد السياسي، والبعد الاجتماعي، والبعد الواقعي، وهي الأبعاد التي منحت خطابه الدبلوماسي قوة الإقناع وعمق الرؤية.
ختاماً…
إن فلسطين بحاجة إلى هذا النموذج من الدبلوماسية الواعية؛ دبلوماسية المعرفة، والحجة، والأخلاق، والإيمان العميق بعدالة القضية.
شكراً سعادة السفير الدكتور ليث عرفة… لأنكم تقدمون في برلين صورة فلسطين التي تستحق أن تُرى، وتكتب، وتنتصر.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2