لم يكن استهداف جبريل الرجوب سوى فصل جديد من فصول الحرب المفتوحة على الوجود الفلسطيني. فحين يُمنع رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم من حضور حدث رياضي عالمي، فإن المستهدف الحقيقي ليس الرجوب كشخص، بل فلسطين كلها؛ اسمها ورايتها وحقها الطبيعي في أن تكون جزءاً من المجتمع الدولي. إنه قرار يحمل بصمات الانحياز لإسرائيل، ويكشف أن بعض القوى الدولية ما زالت ترى الفلسطيني مواطناً من درجة أقل، حتى عندما يتعلق الأمر بالرياضة التي يفترض أن تجمع الشعوب لا أن تفرقها
حين تصبح الرياضة رهينة السياسة: إدانة لحرمان الفلسطيني من حقه الطبيعي
مرة أخرى، يكتشف الفلسطيني أن معركته ليست فقط على الأرض والحدود والحقوق الوطنية، بل تمتد إلى كل تفصيل من تفاصيل حياته، حتى إلى الملاعب الرياضية التي يفترض أنها مساحة للتنافس الشريف بعيداً عن الحسابات السياسية والعقوبات الجماعية.
إن رفض منح تأشيرة دخول لرئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أو لأي وفد فلسطيني للمشاركة في حدث رياضي عالمي لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عادي، بل هو جزء من سياسة أوسع تهدف إلى عزل الفلسطيني وتجريده من أبسط حقوقه الإنسانية والوطنية. فالرياضة، التي يفترض أن تكون جسراً بين الشعوب، تتحول في هذه الحالة إلى أداة للتمييز والإقصاء.
وما يثير الاستهجان أكثر هو أن بعض الدول التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان تقف عاجزة أو متواطئة أمام هذا السلوك الإسرائيلي المتغطرس، بل وتوفر له الغطاء السياسي والدبلوماسي. فكيف يمكن الحديث عن حرية الحركة والمساواة بين الشعوب بينما يُحاصر الفلسطيني حتى في مشاركته الرياضية؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب العالم باحترام القوانين الدولية وهو يغض الطرف عن ممارسات تستهدف شعباً بأكمله؟
إن القضية هنا ليست قضية شخص أو مسؤول رياضي، بل قضية شعب يُحرم باستمرار من حقه في الوجود الطبيعي بين أمم الأرض. فالفلسطيني الذي يُمنع من السفر للمشاركة في بطولة أو مؤتمر رياضي هو ذاته الفلسطيني الذي يُمنع من التنقل بحرية، ويُحاصر في مدنه وقراه، ويُعاقَب جماعياً بسبب هويته الوطنية.
لقد أثبتت التجارب أن إسرائيل لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تسعى إلى احتلال الفضاء السياسي والثقافي والرياضي الفلسطيني أيضاً، محاولةً تقديم نفسها كدولة فوق القانون لا تخضع للمحاسبة. والمؤسف أن هناك قوى دولية لا تزال توفر لها الحماية والدعم رغم كل الانتهاكات الموثقة التي يشهدها العالم يومياً.
إن الرياضة يجب أن تبقى حقاً إنسانياً عالمياً، لا امتيازاً تمنحه دولة احتلال لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. ومن واجب الاتحادات الرياضية الدولية، وعلى رأسها FIFA، أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وأن ترفض أي إجراءات تمييزية تستهدف الرياضيين والمسؤولين الفلسطينيين.
سيبقى الفلسطيني حاضراً في الملاعب كما هو حاضر في ميادين النضال والثقافة والعلم، ولن تنجح سياسات المنع والإقصاء في طمس هويته أو إسكات صوته. فالقضية الفلسطينية ليست قضية حدود فحسب، بل قضية كرامة وحرية وعدالة، وكل محاولة لمعاقبة الفلسطيني حتى في الرياضة هي دليل جديد على حجم الظلم الواقع عليه، ودليل أيضاً على أن معركته من أجل حقوقه المشروعة ما زالت مستمرة أمام عالم مطالب بأن يختار بين العدالة والنفاق.





