الشاعر والكاتب الراحل ياسين السعدي… وحُلم العودة الى المزار

عصري فياض

رحل من كان يمتطتي صهوة اللغة شعرا وادبا ليحقق حلم العودة الى المزار،نعم تحت شمس الرابع عشر من نيسان الخجولة توقف الحلم على حاجز القضاء والقدر،لينهي رحلة من عذابات اللجوء التي بدأت في السابع والعشرين من آب من العام 1940، أي بعد اقل من عام على اعدام الثائر القائد الشيخ فرحان السعدي (عمر المختار الفلسطيني)…
رحل،وهو ما زال يتذكر كيف أجبر هو وعائلته وكلّ أهالي المزار على الرحيل قسرا وتحت النار من بلدته التي ولد فيها هو وابائه واجداه… لقد كوّنت هذه الذكريات المرّة صور متصاعدة تساير العمر مرارة وعذابات وشقاء تلحف به اللجوء الفلسطيني لأكثر من سبعماية الف فلسطيني هاموا على وجوههم على امتداد الفضاء…فكان لا بد من وعيه وذكاءه وفطنته وحسه المرهف أن يوظف ما اكتشفه من حبه للغة العربية وعشقه لها تطويع فنونها التي استحوذت عليها فطرته السليمة وثقافته المتصاعدة تطويعها للتعبير عما يجول بداخله من أحلامه وطموحه وحسه الوطني المتوقد والذي كانت النكبة الفلسطينية،وما واكبها من قسوة ومشقة ومعاناة جوهر لهذا التعبير،والإبقاء على حلم العودة الذي يكسر النكبة،ويعيد التوازن للفلسطيني،ويعيده كمواطن وشعب يمارس حياته الطبيعية كباقي شعوب العالم على ارض وطنه كالمعتاد.
كان تعليمه الأول في مدارس جنين،بكل مراحلها،حيث تفجرت بداخله ثورة الشعر، وخاصة الشعر العامودي،ولما انهى الثانوية العامة بالنجاح والتفوق،ذهب للدراسة الجامعة في جامعة بيروت العربية حيث درس الادب ونال “اليسانس” في الادب العربي ليكون ذلك مخزونا جديدا من ادب اللغة والارتقاء بفنونها الشعرية والأدبية.
معلم للغة العربية
عمل في سلك التربية والتعليم لمدة اثنان وثلاثون عاما،منذ العام 1963 حتى العام 1995 عندما خرج للتقاعد،وخلال هذه الفترة الطويلة من العمل بالتدريس،انفتح في الكتابة أعمدة ثابتة في الصحف الفلسطينية القدس والنهار بداية تحت اسم مستعار “واصف الشيباني” تفاديا من ملاحقة الحكم العسكري الإسرائيلي الذي كان يمنع موظفي المؤسسات الفلسطينية من نشر مقالاتهم في الصحف الفلسطينية جريدة القدس والنهار وصوت الحق، ثم سرعان ما إنطلق الشاعر والكاتب السعدي في نشر مقالاته وحلقاته في الصحف باسمه الحقيقي تحت عنوان ” هدير الضمير”،” مسرحية مؤتمر السلام 1 و2″ و” مواقف في رحلة العمر” وغيرها.بالاضافة للاشعار العمودية التي كانت تلقى زاويا مميزة في الصفحات الأدبية في الصحف والمجلات الورقية والاكترونية.
اصدرات
وخلال رحلة العمر الذي عاشها الشاعر والكاتب ياسين السعدي والتي استمرت لستة وثمانين عاما،صدر للسعدي مجموعة من الكتب والدواوين الشعرية أهمها ” مسرحية مؤتمر السلام 1″ في العام 92، ومسرحية مؤتمر السلام 2″، و” الغضب الطهور في الزمن المريب” في العام 94، وكتاب ” هدير الضمير” في العام 2002، وديوان الشعر العاطفي “قناديلي عيونك” في العام 2002،وديوان شعر في “الوطنيات” في العام 2018، بالإضافة لباقة كبيرة من المخطوطات من الشعر والادب والمقالات السياسية والاجتماعية تحت عناوين منها “اقوال وامثال” و” وطن الشهيد ” وهي دراسة عرض وتحليل وتعليق للمسرحية الشعرية التي كتبها الاديب الفلسطيني برهان العبوشي، و” مواقف في رحلة العمر” و الديوان الشعري الذي يحمل عنوان ” الاحلام الميتة ” وعشرات المقالات في الصحف والمجلات والمواقف الأدبية .
وبالرغم من التقاعد،فإن الشاعر والكاتب السعدي لم يبتعد عن اللغة ومصاحبتها حيث انشأ مطبعة خاصة،أيضا عمل لمدة سنتين مدققا لغويا في صحيفة القدس الفلسطينية.

الخاتمة
رحل الشاعر والكاتب ياسين السعدي بعد كل هذا التراث الغني والوفي لحلمه الذي كان يراوده في العودة لبلدة المزار، رحل … ولكنه ترك للغة العربية الغنية والباقية تحقيق هذا الحلم من خلال من افاض منها جميل فنوناها التي ترسخ الهوية العربية الفلسطينية في ميراث فريد لا يمكن لاجد ان يتركه خلقه ان لم يكن هو في خانة الفريدين.