كشف الباحث في الإعلام والتنمية محمد غنيم في ورقة بحثية استشرافية جديدة عن صورة مقلقة ومتسارعة لمستقبل الصحافة والصحافة العربية تحديداً في ظل هيمنة النماذج التوليدية الذكية، محذراً من أن الثنائية التقليدية بين “الصحفي” و”الآلة” لم تعد كافية لفهم التحول الجاري، إذ ينشأ في المعادلة فاعل ثالث هو البيئة الخوارزمية الوسيطة بين المُنتِج والمتلقي.
وتتأطر الورقة التي تنطلق من تشخيص يصفه غنيم بأنه قلق تشخيصي مشروع، ثلاثية بنيوية تُحدد وفقها ملامح المرحلة المقبلة تتمثل ببنية تقنية تتمثل في النماذج التوليدية التي باتت تُنتج محتوى إخبارياً كاملاً، وبنية مؤسسية تعيد توزيع الأدوار داخل غرف الأخبار، وبنية معرفية تتعلق بإعادة تعريف مفاهيم الصحافة ذاتها من “المصدر الخبير” إلى “الجمهور المؤلف” الذي بات يكتب ويصوّت ويصوّر ويستأثر بإنتاج الرأي العام منذ انتشار النماذج التوليدية جماهيرياً في نوفمبر 2022 مع إطلاق .ChatGPT

وتشير الورقة إلى أن المؤسسات الإعلامية العربية ما تزال في “وضعية رد الفعل التفاعلي”، أي في موقع المتلقي لا المبادر، إذ تكتفي بتبني أدوات طوّرها الآخرون بدل المساهمة في صناعة أدواتها ومعاييرها.
البوابة الخوارزمية تتقدم على المدير
ومن أبرز مفاهيم الورقة التحول من بوابة مدير ورئيس التحرير التقليدية إلى ما يسميه غنيم “البوابة الخوارزمية”، حيث لم يعد اختيار الأخبار التي يراها الجمهور بيد المحررين، بل بيد أنظمة الترشيح التي تعمل وفق منطق الانتباه والتفاعل لا وفق منطق الأهمية الإخبارية وهو ما يعمّق ظاهرة “فقاعات الترشيح” و”العزلة المعلوماتية”.
كما تحذر الورقة من أزمة التزييف التوليدي، مستشهدة بأمثلة تطبيقية مثل تجربة روبوت هيليوغراف (Heliograf) في صحيفة واشنطن بوست، وتجارب الوكالات العالمية في الأتمتة، وصولاً إلى الممارسات الحالية للذكاء الاصطناعي في بعض المؤسسات الإعلامية السعودية والإماراتية.

ثلاثة سيناريوهات حتى 2035
ولا يكتفي الباحث بالتشخيص، بل يقدم عبر منهجية “دلفي” الاستشارية ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصحافة العربية حتى عام 2035 تتمثل أولها في سيناريو التبعية الرقمية حيث مع استمرار استيراد الأدوات والمعايير، وتحول المؤسسات العربية إلى مجرد موزعين لمحتوى تُنتجه نماذج أجنبية، وثانيها سيناريو التكيف المنتقى حيث التبني الانتقائي للتقنية مع بقاء عناصر التحرير التقليدية، في صيغة هجينة غير متوازنة، وثالث السناريوهات سيناريو التأسيس المعرفي حيث بناء أدوات ومعايير ومصطلحات عربية أصيلة تستجيب لخصوصيات السياق الثقافي، وهو السيناريو الذي تدعو الورقة إلى تحقيقه.
وتختتم الورقة بحزمة توصيات مصنفة وفق الأولوية والأفق الزمني 2024 ـ 2026 عاجلة، و2027 ـ 2030 آجلة من أبرزها توحيد المصطلحات العربية المتعلقة بالصحافة الخوارزمية والتوليدية عبر مجالس المعايير الإعلامية العربية، وبناء مؤشر عربي ربع سنوي لرصد مخاطر التزييف التوليدي، ومراجعة دورية (بيئوية) لسيناريوهات الاستشراف كل 12 إلى 24 شهراً، نظراً لسرعة تجاوز النماذج التوليدية لأي إطار وصفي ثابت، إضافة إلى الاستثمار في البيانات العربية المفتوحة التي تُعد أهم عائق أمام القياس الكمي المقارن.
ويخلص غنيم إلى أن “المستقبل ليس قدراً مُقدَّراً سلفاً”، وأن “قيمة الاستشراف لا تكمن في التنبؤ الحرفي بالأحداث، بل في رسم نطاقات الاحتمال التي تتيح للمؤسسات الإعلامية العربية التحرك المبكر بدل الانتظار في موقع المتلقي”.