جاري التحميل...

الصراع التركي–الإسرائيلي في سوريا

مركز روج افا للدراسات الاستراتيجية

لم يعد الصراع على سوريا يُختزل في المواجهات العسكرية أو في تنافس القوى الإقليمية على مناطق النفوذ. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد، بحيث أصبحت السيطرة على طرق الحركة والتجارة إحدى أهم أدوات إنتاج القوة والنفوذ. وفي هذا السياق، يكتسب التنافس التركي–الإسرائيلي أهمية خاصة، ليس لأنه يمثل صراعاً ثنائياً بسيطاً بين دولتين، وإنما لأنه يعكس جزءاً من التنافس الأوسع على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور في الشرق الأوسط. تقع سوريا في نقطة تقاطع بين تركيا والعراق والأردن وشرق المتوسط، ويمكن لموقعها أن يجعلها جزءاً من مسارات متعددة تربط آسيا بالخليج وأوروبا.

مقدمة:

لم يعد الصراع على سوريا يُختزل في المواجهات العسكرية أو في تنافس القوى الإقليمية على مناطق النفوذ. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد، بحيث أصبحت السيطرة على طرق الحركة والتجارة إحدى أهم أدوات إنتاج القوة والنفوذ. وفي هذا السياق، يكتسب التنافس التركي–الإسرائيلي أهمية خاصة، ليس لأنه يمثل صراعاً ثنائياً بسيطاً بين دولتين، وإنما لأنه يعكس جزءاً من التنافس الأوسع على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور في الشرق الأوسط. تقع سوريا في نقطة تقاطع بين تركيا والعراق والأردن وشرق المتوسط، ويمكن لموقعها أن يجعلها جزءاً من مسارات متعددة تربط آسيا بالخليج وأوروبا. ولذلك فإن مستقبلها السياسي والأمني سيؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الممرات الاقتصادية الإقليمية. لكن النظر إلى سوريا باعتبارها مجرد «ممر» أو «منطقة نفوذ» يتجاهل حقيقة أساسية: هذه الجغرافيا ليست فراغاً سياسياً، بل فضاء تعيش فيه شعوب ومجتمعات متعددة لها مصالح وحقوق وتطلعات سياسية واقتصادية. ومن هنا، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون فقط: من يسيطر على الممرات؟ بل: من يحدد قواعدها، ولصالح من تعمل، ومن يشارك في إدارة عوائدها؟

:من الصراع العسكري إلى الصراع الجيو-اقتصادي

يشهد الشرق الأوسط انتقالاً تدريجياً من الصراعات التقليدية إلى منافسة أكثر تعقيداً تجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. فالموانئ والطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة والمعابر الحدودية لم تعد مجرد منشآت اقتصادية، وإنما تحولت إلى أدوات استراتيجية يمكن من خلالها بناء النفوذ وخلق علاقات اعتماد طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كحلقة وصل بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن مشاريع مثل الممر الأوسط (طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين” (TITR)، هو طريق تجاري لوجستي بري وبحري يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وتركيا.) وموقعها في شبكات النقل والطاقة، إضافة إلى انخراطها السياسي والأمني في سوريا والعراق. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى تعزيز موقعها في منظومة شرق المتوسط، والاستفادة من موانئها وشبكات الطاقة وعلاقاتها المتنامية مع عدد من الدول العربية، فضلاً عن موقعها المحتمل ضمن مشاريع الربط بين الهند والخليج وأوروبا. وبذلك يصبح التنافس التركي–الإسرائيلي جزءاً من معركة أوسع حول من يمتلك القدرة على تنظيم تدفقات التجارة والطاقة والاتصال بين الشرق والغرب. غالباً ما تقدم مشاريع الممرات الاقتصادية باعتبارها مشاريع تنموية وتقنية، لكن الواقع الجيوسياسي يكشف أنها تحمل في داخلها علاقات قوة واضحة. فمن يتحكم في الطريق يتحكم بدرجة معينة في: نقاط العبور؛ الموانئ؛ المعابر الحدودية؛ حركة التجارة؛ الرسوم الجمركية؛ الطاقة؛ والاستثمارات المرتبطة بالممر. وبالتالي، فإن الممر الاقتصادي هو أيضاً ممر للنفوذ السياسي والاستراتيجي. ولهذا فإن الصراع حول الممرات لا يدور فقط حول المسار الأقصر أو الأرخص، وإنما حول من يصبح مركزاً إقليمياً ومن يتحول إلى منطقة عبور، ومن يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: اقتصاد الممرات الذي يجعل المناطق المحلية أدوات لخدمة المراكز الاقتصادية الكبرى، والاقتصاد المجتمعي الذي يسعى إلى جعل البنية التحتية والتجارة وسائل لتطوير المجتمعات التي تمر بها هذه المشاريع.

تركيا وإسرائيل بين التنافس والتقاطع

تمثل سوريا عقدة جغرافية تربط تركيا والعراق والأردن وشرق المتوسط، ولذلك فإن أي مشروع إقليمي للنقل أو الطاقة يتأثر باستقرارها أو اضطرابها. ومن هذا المنطلق، تنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها امتداداً لأمنها القومي، وبوابة ضرورية للحفاظ على اتصالها بالعالم العربي والخليج، فضلاً عن كونها سوقاً مستقبلية لإعادة الإعمار والاستثمارات. في المقابل، ترى إسرائيل أن استقرار سوريا واتجاهاتها السياسية يؤثران بصورة مباشرة في أمنها وفي مستقبل مشاريع الطاقة والممرات التي تراهن عليها، لذلك تعمل على منع تشكل بيئة إقليمية تمنح خصومها أفضلية استراتيجية. ولكن لا يمكن فهم العلاقات التركية–الإسرائيلية من خلال العداء أو التحالف وحدهما. فبين البلدين تناقضات سياسية واستراتيجية عميقة، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وسوريا ومستقبل النظام الإقليمي، لكن ذلك لا يلغي وجود مصالح متقاطعة في بعض الملفات الاقتصادية والأمنية. كما أن التنافس بينهما يجري ضمن منظومة أوسع تشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا وإيران والدول العربية وقوى اقتصادية دولية. ولهذا، فإن الشرق الأوسط لا يتحرك وفق معادلة ثنائية، وإنما وفق شبكة معقدة من التنافس والتقاطع وتبادل المصالح. ومن الخطأ قراءة كل تحرك تركي أو إسرائيلي باعتباره موجهاً حصراً ضد الطرف الآخر؛ فكلاهما يعمل أيضاً على بناء موقع طويل الأمد داخل نظام إقليمي جديد. ففي سوريا التي تبدو وكأنها تحولت الى ساحة اختبار للنفوذين التركي والاسرائيلي نتيجة لما تتمتع به سوريا من موقع يجعلها إحدى أهم نقاط التقاء مشاريع النقل والطاقة والتجارة في المنطقة. ولا تكمن أهميتها في موقعها الجغرافي فقط، وإنما في تركيبتها الاجتماعية والسياسية. فالسوريون لا يعيشون على «ممرات» وإنما في مجتمعات ومدن وقرى ومناطق لها مصالح وتاريخ وخصوصيات. ولهذا فإن أي مشروع لإعادة بناء سوريا سيبقى هشاً إذا تعامل مع البلاد فقط باعتبارها مساحة جغرافية يمكن إعادة توزيعها بين القوى الإقليمية .لذلك فإن السؤال الأساسي هو: أي نظام سياسي قادر على تحويل الجغرافيا السورية من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل؟ وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المركز والمناطق، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة المحلية والسلطة المركزية. غير ان التوجهالتركي والاسرائيلي يكاد يكون بعيداعن حقيقة المجتمعات القائمة ومصالحها , وعلى الرغم من اختلاف الأدوات المستخدمة، فإن الهدف النهائي للطرفين يكاد يكون واحداً، وهو تعزيز المكانة الإقليمية ولو على حساب الشعوب. فتركيا تعتمد على الحضور العسكري المباشر في شمال سوريا، وعلى النفوذ الاقتصادي، وعلى مشاريع البنية التحتية والربط التجاري. أما إسرائيل فتركز على التفوق العسكري والاستخباراتي، وعلى تحالفاتها الإقليمية، وعلى مشاريع الطاقة والغاز، مع الحرص على منع تموضع القوى المعادية بالقرب من حدودها. وبذلك أصبح الصراع يدور بين مشروعين جيوسياسيين أكثر مما يدور بين جيشين.

 

القضية الكردية و شرق المتوسط وغزة وحدود الجيو-اقتصاد

القضية الكردية : تكشف القضية السورية والكردية والفلسطينية وغيرها عن أزمة أعمق تتعلق بنموذج الدولة القومية المركزية. فهذا النموذج غالباً ما حاول بناء الاستقرار من خلال توحيد الهوية والسلطة والقرار، لكنه أنتج في حالات عديدة صراعات مع المجتمعات التي لم تنسجم هويتها مع التعريف الرسمي للدولة. ومن هنا، فإن القضية الكردية ليست مجرد خلاف على اللغة أو الحقوق الثقافية، بل ترتبط بسؤال أكبر: كيف يمكن تنظيم مجتمع متعدد القوميات والثقافات من دون تحويل الاختلاف إلى صراع دائم؟ وتطرح مقاربة الأمة الديمقراطية جواباً يقوم على التعددية، والتنظيم المحلي، والمشاركة المجتمعية، واللامركزية، مع محاولة تجاوز احتكار الدولة المركزية لتعريف المجتمع وهويته.وبالنسبة للقضية الكردية هنا فإن المناطق الكردية على تقاطع طرق تربط تركيا بالعراق وسوريا وإيران وشرق المتوسط. وهذا الموقع يجعل القضية الكردية مرتبطة مباشرة بأي مشروع لإعادة رسم طرق التجارة والطاقة. لكن المشكلة تبدأ عندما تُعامل هذه الجغرافيا من منظور أمني فقط. فإذا تحولت المناطق الكردية إلى مناطق أمنية مغلقة، فإن الممرات التي تمر عبرها ستظل معرضة للتوتر. أما إذا جرى التعامل معها باعتبارها مناطق إنتاج وتجارة وتكامل، مع الاعتراف بحقوق سكانها ومشاركتهم في القرار، فإنها يمكن أن تصبح جسوراً بين الدول والمجتمعات. ومن هنا يمكن القول إن: الحل الديمقراطي للقضية الكردية ليس فقط مسألة حقوقية، بل أحد شروط الاستقرار الجيو-اقتصادي للمنطقة, فالمسألة الكردية تشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسة التركية في سوريا والعراق. فأنقرة تنظر إلى صعود قوى كردية منظمة على حدودها من منظور الأمن القومي، بينما ترى الحركة الكردية أن استمرار معالجة القضية بمنطق أمني وعسكري يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع. وهنا تظهر مفارقة استراتيجية: تركيا تحتاج إلى بيئة مستقرة ومفتوحة لتطوير تجارتها وممراتها نحو العراق والخليج وسوريا، لكن استمرار الصراع الكردي–التركي يخلق بيئة أمنية متوترة على جزء مهم من هذه الجغرافيا. لذلك فإن الانتقال من سياسة إدارة القضية الكردية أمنياً إلى سياسة حلها سياسياً وديمقراطياً يمكن أن يفتح المجال أمام تحولات اقتصادية وإقليمية أوسع..

شرق المتوسط : اما في شرق المتوسط فيزداد التنافس التركي–الإسرائيلي تعقيداً ، حيث تتداخل ملفات الغاز، والحدود البحرية، والربط الكهربائي، والتحالفات السياسية. ورغم أن إسرائيل استطاعت تعزيز مكانتها عبر اكتشافات الغاز وشراكاتها مع مصر والأردن، فإنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية المصرية في عمليات التصدير. وفي المقابل، تمتلك تركيا واحدة من أهم شبكات عبور الطاقة في المنطقة، إلا أنها ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على الغاز المستورد، الأمر الذي يجعلها تسعى إلى تعزيز دورها بوصفها مركزاً لنقل الطاقة بدلاً من كونها منتجاً رئيسياً لها. وامام ذلك تجابه تركيا تكتلات إقليمية مناوئة تضم اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، فسعت بدورها لكسر هذا الطوق عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا (2019)، وتعزيز التعاون مع دول الجوار والخليج، وطرح ممرات تجارية وطاقة بديلة تمر عبر سوريا والعراق لمنع عزلها في المتوسط فقد وقّعت أنقرة اتفاقية بحرية مع حكومة الوفاق الليبية لتعطيل مسار خطوط أنابيب الغاز المنافسة لها وتأكيد نطاق جرفها البحري كما طرح ممر اقتصادي بديل يربط الخليج بالعراق وسوريا والأردن لمواجهة مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) المنافس الذي يتجاوز أراضيه, وإعادة ترتيب التوازنات عبر الانفتاح على مسارات التنسيق الإقليمي مع بغداد ودمشق والقاهرة لتعزيز دورها كمركز أساسي للطاقة.

 

قطاع عزة : يمثل قطاع غزة جزءاً مؤثراً من جيو-اقتصاد حوض شرق المتوسط حيث تحرص القوى الإقليمية والدولية على السيطرة على موارد الطاقة، مثل حقل غزة مارين (حقل غزة مارين هو حقل غاز طبيعي فلسطيني يقع قبالة ساحل قطاع غزة في البحر المتوسط على مسافة نحو 30 كيلومتراً من الشاطئ وعلى عمق 600 متر. يُقدر احتياطي الحقل بحوالي 1 تريليون إلى 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي ما يعادل تقريباً 30 إلى 32 مليار متر مكعب)، وممرات التجارة البحرية التي تتداخل مع حدود المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة . لذلك ترتبط حدود غزة البحرية بصراع أوسع حول ترسيم مناطق نفوذ الغاز الإقليمية.وقد أعادت حرب غزة القضية الفلسطينية إلى قلب العلاقات التركية–الإسرائيلية، وحولت الخلاف من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى القيود التجارية والعقوبات الاقتصادية. ورغم أن الإجراءات التركية حملت قيمة سياسية ورمزية كبيرة، فإن أثرها الاقتصادي على إسرائيل ظل محدوداً نسبياً نتيجة قدرة الأخيرة على إيجاد بدائل تجارية وأسواق وسيطة. إلا أن الحرب عمّقت أزمة الثقة بين الطرفين، وقلّصت فرص التعاون في ملفات الطاقة والممرات خلال المدى المنظور. وقد أظهرت الحرب أن الاقتصاد لا يستطيع أن ينفصل بصورة كاملة عن السياسة. فالموانئ والطاقة والممرات التجارية تحتاج إلى الاستقرار، والاستقرار لا يمكن أن يقوم على الترتيبات الاقتصادية وحدها. ولهذا فإن مشاريع الربط الإقليمي ستبقى عرضة للأزمات إذا لم ترافقها حلول سياسية للقضايا الكبرى في المنطقة. وتكشف القضية الفلسطينية، كما تكشف القضية الكردية والأزمة السورية، عن حدود النظام الإقليمي الذي يسعى إلى بناء الاستقرار من خلال الاتفاقات بين الدول بينما تبقى قضايا الشعوب من دون حلول عادلة.

الموقف العربي وإمكانية بناء توازن جديد

لا تبدو الدول العربية مستعدة بالضرورة للانخراط الكامل في مشروع تركي أو إسرائيلي واحد، بل تميل إلى تنويع الشراكات والممرات حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية. وقد يشكل ذلك فرصة لبناء نظام إقليمي متعدد المراكز بدلاً من الخضوع لمركز واحد. لكن نجاح هذا التوجه يتطلب توسيع مفهوم الأمن الإقليمي ليشمل التنمية والحقوق السياسية والاستقرار الاجتماعي. كما يتطلب فتح المجال أمام شراكات عربية–كردية جديدة، خصوصاً في سوريا والعراق، تقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة والتعاون السياسي والثقافي .وإذا ما بقيت الممرات مجرد أدوات للمنافسة بين الدول، فإنها ستعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة. أما إذا جرى ربطها بالتنمية المحلية، فقد تتحول إلى أدوات للتكامل. وهنا يمكن تصور نموذج إقليمي لا تكون فيه الحدود جدراناً تمنع المجتمعات من التواصل، ولا تتحول فيه المناطق المحلية إلى مجرد ساحات عبور. بل تصبح كل منطقة شريكاً في إدارة الحركة الاقتصادية والاستفادة منها. وبذلك ينتقل الشرق الأوسط من:جغرافيا الصراع إلى جغرافيا التكامل .في حين يتوقف مستقبل سوريا ايضا ليس فقط على التوازنات الاقليمية وانما على مدى قدرتها على تجاوز إرث الماضي والمضي بسوريا نحو سوريا جديدةفعلا , لذلك تقف سوريا أمام مفترق استراتيجي. الخيار الأول هو إعادة إنتاج الدولة المركزية القديمة، مع تغيير النخب والمؤسسات والأسماء، لكن مع بقاء العلاقة نفسها بين المركز والمجتمع والمناطق. والخيار الثاني هو بناء صيغة سياسية جديدة تقوم على اللامركزية الديمقراطية، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق.والخيار الثاني لا يعني بالضرورة تقسيم سوريا. بل يمكن أن يكون وسيلة للحفاظ على وحدة البلاد من خلال إعادة تعريف هذه الوحدة على أساس المشاركة لا الإكراه. وفي هذه الحالة يمكن أن تصبح روجافا جزءاً من الحل السوري، لا مشكلة تنتظر الحل. كما أن تعزيز التعددية داخل المنطقة يمثل أحد أهم عناصر قوتها السياسية. فكلما نجحت روجافا في تقديم نفسها باعتبارها نموذجاً سورياً ديمقراطياً متعدد المكونات، لا مشروعاً قومياً مغلقاً، ازدادت قدرتها على بناء الشرعية الداخلية والإقليمية.

المعركة ليست فقط على الممرات بل على المستقبل

الصراع التركي–الإسرائيلي لم يعد يدور حول السيطرة العسكرية المباشرة، بل حول من يمتلك القدرة على رسم خرائط الاتصال الإقليمي والتحكم في تدفقات التجارة والطاقة. غير أن نجاح أي مشروع إقليمي سيظل مرهوناً بوجود بيئة مستقرة، وبنية تحتية متطورة، واتفاقيات سياسية مستدامة، إذ إن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ. كما أن أي ممر اقتصادي لن يحقق تنمية حقيقية ما لم ينعكس على المجتمعات المحلية عبر المشاركة في التخطيط والإدارة وتقاسم العوائد. ومن ثم، فإن مستقبل الصراع التركي–الإسرائيلي في سوريا سيبقى مرتبطاً ليس فقط بموازين القوى العسكرية، وإنما أيضاً بمسار التسوية السورية، ومستقبل القضية الفلسطينية، والكردية وقدرة دول المنطقة على التوفيق بين التنافس الجيوسياسي ومتطلبات التكامل الاقتصادي.إن التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا هو جزء من صراع أوسع على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. إنها معركة على الأرض، لكنها أيضاً معركة على الطاقة والموانئ والممرات والأسواق والحدود. غير أن المعركة الأعمق هي معركة على النموذج السياسي والاقتصادي الذي سيحكم هذه الجغرافيا. فإذا بقي الشرق الأوسط أسير الدولة القومية المركزية والتنافس على النفوذ، ستصبح الممرات الاقتصادية أدوات جديدة للصراع، وستظل الشعوب والمجتمعات موضوعاً للمساومات بين القوى. أما إذا جرى الانتقال نحو نموذج يقوم على الديمقراطية المحلية والتعددية واللامركزية والاقتصاد المجتمعي والتكامل الإقليمي، فإن الجغرافيا نفسها يمكن أن تتحول من مصدر للصراع إلى مصدر للتعاون. ومن هذه الزاوية، فإن القضية الكردية ليست هامشاً في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بل إحدى القضايا المركزية التي ستحدد طبيعة النظام الإقليمي القادم. كما أن روجافا ليست مجرد جغرافيا تقع بين مشاريع تركيا والعراق وسوريا وإيران وشرق المتوسط؛ بل يمكن أن تكون جزءاً من صياغة بديل سياسي واقتصادي يقوم على الأمة الديمقراطية، والإدارة الذاتية، والاقتصاد المجتمعي، وأخوة الشعوب، والتكامل الإقليمي.

في الختام

السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس:هل ستنتصر تركيا أم إسرائيل؟ بل:هل سيُعاد بناء الشرق الأوسط من خلال صراع الدول على الجغرافيا، أم من خلال مشاركة الشعوب في بناء جغرافيا جديدة للتكامل والسلام؟ إن مستقبل سوريا، ومستقبل القضية الكردية، ومستقبل الممرات الاقتصادية، كلها تتقاطع عند هذه النقطة. فالممر الذي لا يخدم الإنسان يتحول إلى أداة للهيمنة، والاقتصاد الذي لا يطور المجتمع يتحول إلى تبعية، والدولة التي لا تعترف بتعددية مجتمعها تتحول إلى مصدر دائم للأزمة. أما حين تصبح الجغرافيا ملكاً لمجتمعاتها، والاقتصاد في خدمة التنمية، والسياسة قائمة على المشاركة، فإن الممرات يمكن أن تتحول من خطوط تفصل بين مناطق النفوذ إلى جسور تصل بين الشعوب والأسواق والثقافات. وهنا يمكن أن تكمن إحدى أهم الفرص التاريخية أمام روجافا: ألا تكون مجرد ساحة للصراع على النظام الإقليمي الجديد، بل أن تساهم في صياغة قواعده السياسية والاقتصادية والديمقراطية.