في زمنٍ يزداد فيه تعقيد الإنسان وتعقّد الواقع من حوله، تصبح العلاقة بين الحرية والحاجة أكثر التباساً، وأكثر عرضةً للصراع. فلطالما نُظر إلى الحرية باعتبارها قمة الغايات الإنسانية، والتاج الذي تُتوَّج به الكرامة البشرية. غير أن التجربة التاريخية، والسلوك السياسي للدول، والفلسفات الواقعية التي انشغلت بفهم دوافع الفعل البشري، تؤكد حقيقة مرة: أن الضرورة قد تغلب الحرية، والحاجة قد تقهر المبدأ، والمصلحة قد تبتلع كل ما عداها من قيم.
أولاً: الحاجة كقوة أولى في الوجود
ليست الحاجة مجرد افتقار عابر، بل هي في جوهرها المحرّك الأول للسلوك البشري، كما رآها أبراهام ماسلو في هرمه الشهير للاحتياجات، بدءًا من الحاجات الفيزيولوجية ووصولاً إلى تحقيق الذات. وحين لا تُلبّى الحاجات الأساسية، تصبح كل شعارات الحرية والكرامة والنبل عرضة للانهيار.
إنّ الإنسان الذي لا يملك قوت يومه، لا يستطيع أن يتحدّث مطولاً عن الحرية السياسية أو التعبير أو حتى الكرامة. ذلك أن الجائع لا يفكر بعقل حر، بل بمعدة فارغة، كما أشار الفيلسوف جورج هيغل حين قال: “الحرية الحقيقية لا تبدأ إلا عندما تُشبع الحاجات الأساسية”. ومن هنا يمكن فهم كيف أن الضرورة، بوصفها حاجة ملحة للبقاء، قد تصبح قوة قاهرة تعصف بالمبادئ، وتعيد تشكيل خيارات الإنسان والمجتمع والدولة.
ثانياً: حين تقهر الضرورة المبدأ
حين تتنازع الضرورة والمبدأ في قلب الإنسان أو الدولة، تُختبر النوايا وتُكشَف الحدود. إنّ التاريخ مليء بأمثلة أولئك الذين غلّبوا الضرورة على المبدأ، لا لفسادٍ في أنفسهم، بل لأن واقعهم الضاغط لم يترك لهم خياراً آخر. الفيلسوف الإيطالي نيقولا مكيافيللي في كتابه “الأمير”، ذهب بعيداً في الدفاع عن فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة حين يتعلق الأمر بمصلحة الدولة، فالأخلاق السياسية ليست بالضرورة انعكاساً للأخلاق الفردية، بل هي خاضعة لمقياس الضرورة والفعالية.
وهكذا نجد أنّ القيم العليا قد تُنحّى جانباً أمام نداء المصلحة، وتتحوّل المبادئ إلى أدوات نفعية، يُتخلّى عنها إذا لم تعد تخدم البقاء. بل إنّ بعض الدول تحتفظ بمبادئها كديكورٍ دبلوماسي، لا كمحرّك حقيقي لسلوكها.
ثالثاً: الدول الكبرى لا تعرف صداقة أو عداوة دائمة
ربما من أكثر الجمل تداولاً في السياسة الدولية هي مقولة “لا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح دائمة”، وهي حكمة بريطانية قديمة اختزلت جوهر العلاقات الدولية كما تمارسها القوى الكبرى.
فالإمبراطوريات لا تبني سياساتها على العاطفة، بل على حسابات دقيقة للربح والخسارة. وهي إذ تصادق الذئب اليوم وتذرف دموع التماسيح على الحمل غداً، إنما تفعل ذلك لا عن اضطراب أخلاقي، بل عن براغماتية تحوّلت إلى نهج مؤسّسي. وكما كتب المفكر الأميركي نعوم تشومسكي: “الولايات المتحدة لا تصادق الأنظمة بناءً على مدى ديمقراطيتها، بل على مدى طاعتها”. ومن هنا نفهم كيف أن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” قد تتحوّل إلى أدوات ضغط أو ذرائع تدخل لا تُستدعى إلا عندما تخدم المصالح الكبرى.
إنّ مفارقة الدولة الكبرى تكمن في قدرتها على اختراع القيم حين تحتاجها، ودفنها حين تصبح عبئاً. فهل كان النفط مثلاً سببًا في حماية بعض الأنظمة الاستبدادية؟ وهل كانت “محاربة الإرهاب” ذريعة للتدخل في بلدان وتمزيق أخرى؟ الجواب في الواقع لا في الخطاب.
رابعاً: حملٌ وديع أو ذئبٌ مفترس… كلاهما مفيد
في نظر الإمبراطوريات، لا فرق جوهري بين الحمل والذئب، طالما أن كلاً منهما قادر على خدمة الهدف. فالحمل يُستعمل لتزيين صورة التدخل، والذئب يُوظف لحراسة الحدود أو تفتيت الخصوم. كلاهما أداتان في رقعة المصالح، تُستخدمان وتُستبدلان حسب الحاجة.
هذا المنطق، القائم على البراغماتية القاسية، يجعل الدولة الكبرى غير معنية بالمعايير الأخلاقية، إلا بقدر ما يمكن توظيفها في خطابها. وقد شبّه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو هذه الإمبراطوريات بـ”الآلهة الوثنية التي تطلب التضحية بالأبرياء من أجل رخائها”، وهو توصيف رمزي لكنه بالغ الدقة.
خامساً: ضرورة تأسيس توازن بين الحاجة والحرية
لكن هل يعني ذلك التسليم بانتصار الضرورة إلى الأبد؟ هل الإنسان محكوم بأن يُضحّي بحريته كلما جاع أو افتقر؟
الجواب يكمن في بناء نظم سياسية واقتصادية عادلة، تحرّر الإنسان من الابتزاز البيولوجي، وتجعل من الحرية واقعاً معيشاً لا شعاراً أجوف. إنّ نضال الشعوب الحقيقي يبدأ حين تربط بين العدالة الاجتماعية والتحرر السياسي، وتفهم أن الحرية بدون رغيف هي سراب، وأن الرغيف بدون حرية هو علف للعبيد.
ولذا، يقول أمارتيا سن – المفكر الهندي الحائز على نوبل – في كتابه “التنمية حرية”، إنّ الجوع ليس نتيجة انعدام الغذاء بل لانعدام القدرة على الحصول عليه، وهذا ما يربط بين البنية السياسية والكرامة الإنسانية.
خاتمة: الواقعية دون تبرير، والحرية دون وهم
إنّ الاعتراف بأن الضرورة قد تهزم الحرية ليس خيانة للمبادئ، بل بداية وعي جديد يضع الأمور في نصابها الواقعي، ويمنحنا فرصة للعمل على تجاوز هذه المفارقة.
نحتاج اليوم إلى خطاب إنساني لا يجزّئ القيم، ولا يبرّر الهمجية باسم الضرورة، ولا يوزّع الحريات كامتيازات نخبوية. فقط حين نفهم أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده – ولا بالحرية وحدها – نبدأ في صياغة عالمٍ يكون أكثر توازناً وعدلاً.