ليست الطائفية مجرد انقسام اجتماعي أو اختلاف في الانتماءات الدينية والمذهبية، بل هي حالة من الاغتراب المعرفي والأخلاقي، تتحول فيها الهوية من فضاءٍ إنساني رحب إلى قوقعة مغلقة، ويغدو الانتماء وسيلةً لإقصاء الآخر بدل أن يكون سبيلًا للتعارف والتكامل. إنها، في جوهرها، تشويهٌ للعقل والوجدان معًا، إذ تستبدل التفكير النقدي بعصبية الجماعة، والحقيقة بشعارات الهوية، والمواطنة بولاءاتٍ ما قبل الدولة.
لقد أدرك ابن خلدون، منذ القرن الرابع عشر، أن العصبية حين تتجاوز وظيفتها الاجتماعية الطبيعية وتتحول إلى أداة للهيمنة، تصبح سببًا في خراب العمران وسقوط الدول. فالدولة التي تقوم على العصبيات الضيقة لا تستطيع أن تؤسس عدالةً جامعة، لأنها تستبدل القانون بروابط القرابة والانتماء، وتُخضع المصلحة العامة لمنطق الفئة.
وفي العصر الحديث، بيّن عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد أن السلطات المستبدة لا تكتفي بقمع الحرية، بل تعمل على تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية، لأنها تدرك أن المجتمع المنقسم أعجز عن مقاومة الاستبداد من المجتمع الموحد. فالطائفية، في كثير من الأحيان، ليست نقيض الاستبداد، بل إحدى أدواته الأكثر فاعلية.
ويذهب عبد الوهاب المسيري إلى أن الطائفية تنشئ «نسقًا مغلقًا» يحول الإنسان من ذاتٍ حرة قادرة على الاختيار إلى كائن أسير لانتماءات موروثة، يرى العالم من خلال ثنائيات جامدة: نحن وهم، المؤمن والكافر، الطاهر والنجس، فيتحول العقل إلى جهاز لتبرير الأحكام المسبقة لا إلى أداة لاكتشاف الحقيقة. ولذلك رأى أن الأزمة الطائفية هي أزمة معرفية قبل أن تكون أزمة سياسية.
أما محمد عابد الجابري فقد دعا إلى تحرير العقل العربي من البنى التقليدية التي تجعل الانتماء سابقًا على التفكير، مؤكدًا أن النهضة لا تبدأ إلا عندما يصبح العقل النقدي أعلى من كل ولاء ضيق، وأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُبنى على روابط الطائفة، بل على رابطة المواطنة.
ومن زاوية أخرى، رأى جورج طرابيشي أن الطائفة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، لكنها لا تستطيع أن تنتج دولة حديثة، لأن الدولة مشروع قانون ومؤسسات، بينما الطائفة مشروع ولاء مغلق. ولهذا فإن الانتقال من المجتمع الطائفي إلى المجتمع المدني هو انتقال من رابطة الدم والعقيدة المغلقة إلى رابطة الحقوق والواجبات.
وقد نبّه إدوارد سعيد إلى خطورة ما سماه «الهويات الاختزالية»، حيث ينكمش الإنسان داخل تعريف واحد لنفسه، فيفقد ثراءه الإنساني وقدرته على التفاعل مع التعدد. فالهوية، في نظره، ليست جدارًا يعزل الإنسان عن الآخرين، بل جسرًا للحوار معهم، وكل هوية تنغلق على ذاتها تتحول إلى أداة للعنف الرمزي والسياسي.
ومن المنظور النفسي، يفسر كارل غوستاف يونغ التعصب بوصفه تجليًا لـ«الظل الجمعي»، حيث تُسقط الجماعة مخاوفها ورغباتها المكبوتة على جماعات أخرى، فتخلق عدوًا متخيَّلًا يمنحها شعورًا زائفًا بالنقاء والتفوق. وهكذا يصبح المختلف مرآةً للهواجس التي تعجز الجماعة عن مواجهتها في ذاتها.
أما إريك فروم فقد رأى أن الإنسان الخائف من الحرية يلجأ إلى الانتماءات المغلقة هربًا من مسؤولية الاختيار، لأن الانتماء الأعمى يمنحه يقينًا نفسيًا مؤقتًا، ولو كان ذلك على حساب إنسانيته. فالطائفية، وفق هذا الفهم، ليست قوة، بل تعويض عن هشاشة داخلية.
ويؤكد جان بول سارتر أن الإنسان يفقد حريته حين يختبئ وراء الهويات الجاهزة، ويعيش ما سماه «سوء الإيمان»، أي أن يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية بحجة الانتماء إلى جماعة. فالطائفي لا يرى نفسه مسؤولًا عن أفعاله، بل ينسبها إلى إرادة الجماعة، فيتحول من ذات حرة إلى أداة.
وفي السياق نفسه، يرى بول ريكور أن الهوية الحقيقية تتشكل عبر الحوار مع الآخر، لا عبر إلغائه، وأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بقدر ما يعترف بإنسانية المختلف عنه. ومن هنا فإن الطائفية ليست مجرد رفض للآخر، بل هي أيضًا إنكار لجزء من إنسانية الذات.
أما حنة آرنت فقد حذرت من أن أخطر أشكال الشر تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن التفكير، ويستبدل ضميره الفردي بطاعة الجماعة. فالشر، في كثير من الأحيان، ليس فعل وحوش، بل فعل أناس عاديين تنازلوا عن استقلال عقولهم.
وفي كتابه المجتمع المنفتح وأعداؤه، يبيّن كارل بوبر أن المجتمعات المغلقة تقوم على العصبيات والأساطير واليقين المطلق، بينما يقوم المجتمع المنفتح على النقد والتعددية واحترام الاختلاف. والطائفية، بهذا المعنى، هي نقيض المجتمع المنفتح، لأنها تؤسس لاحتكار الحقيقة وإقصاء الآخر.
ولعل زيغمونت باومان قد لامس جوهر المسألة حين رأى أن الخوف من المستقبل يدفع بعض الجماعات إلى الاحتماء بهويات صلبة، فتتحول الطائفة إلى ملاذ نفسي، لكنها في الوقت نفسه تصبح سجنًا يمنع الإنسان من الانفتاح على العالم.
إن الوطنية ليست نقيض التعدد، بل إطاره الأخلاقي والسياسي. فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يتشابهوا، وإنما أن يتساووا في الكرامة والحقوق والواجبات. وقد عبّر جان جاك روسو عن هذه الفكرة حين جعل الإرادة العامة أساس الدولة، لا إرادة الجماعات الخاصة، بينما رأى يورغن هابرماس أن المواطنة الحديثة تقوم على التواصل العقلاني والاعتراف المتبادل، لا على العصبيات الموروثة.
وقد لخّص نيلسون مانديلا هذه الرؤية الإنسانية بقوله: «يتعلم الإنسان الكراهية، وإذا كان قادرًا على تعلم الكراهية، فهو قادر أيضًا على تعلم الحب، لأن الحب أقرب إلى قلب الإنسان من نقيضه.» فالتعصب ليس قدرًا محتومًا، بل سلوك مكتسب يمكن تجاوزه بالتربية، والثقافة، والعدالة، والحوار.
إن معركة بناء الوطن ليست معركة جغرافيا، بل معركة وعي. والطائفية ليست خلافًا في العقائد بقدر ما هي عجز عن إدارة الاختلاف ضمن إطار المواطنة. ولذلك فإن تحرير الإنسان من الطائفية يبدأ بتحرير العقل من الأوهام، والوجدان من الكراهية، والسياسة من الاستثمار في الانقسام.
فالوطن الذي تحكمه الطوائف يبقى هشًّا مهما بلغت ثرواته، أما الوطن الذي تحكمه المواطنة فيظل قويًّا حتى في أشد المحن. وحين يتحرر الإنسان من أسر العصبية، ويؤمن بأن كرامة الآخر امتداد لكرامته، يصبح الوطن فضاءً للعدالة والحرية، لا ساحةً للتنازع.
إن المستقبل لا يولد من رحم الانقسامات، بل من ثقافة الاعتراف، ومن أخلاق المسؤولية، ومن الإيمان بأن الإنسان يسبق الطائفة، وأن المواطنة أسمى من العصبية، وأن الوطن، في نهاية المطاف، ليس ميراثًا لجماعة، بل أمانةٌ مشتركة في أعناق جميع أبنائه.