كتب: وليد العوض
لم تعد المحاولات الإسرائيلية لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة وشطب الأونروا تقتصر على الخطاب السياسي والدعائي، بل بدأت تظهر بصورة أكثر مباشرة في مشاريع وترتيبات يجري إعدادها في كنف ما يسمى «مجلس السلام» لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة. وقد دعونا في أكثر من مناسبة ومقال إلى ضرورة التوافق على مبادرة فلسطينية تستعيد زمام المبادرة، وتعيد القضية الفلسطينية برمتها إلى قرارات الشرعية الدولية ومنطوق القانون الدولي، بدل ترك مستقبلها رهينة لمشاريع تُصاغ خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يكتسب مقال نشره معهد مسغاف للدراسات الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية في الثالث من آب/أغسطس الجاري، تحت عنوان «وضع شروط للقوة الشرطية الجديدة في غزة»، أهمية خاصة. فالمقال، الذي يتناول القوة الشرطية الجديدة التي يفترض أن تعمل تحت قيادة لجنة التكنوقراط، يطرح الباحث عدي شڤارتس فيه جملة من الشروط السياسية لتجنيد وتسليح أفراد هذه القوة، تتجاوز الفحص الأمني إلى محاولة إعادة تعريف هوية الفلسطيني وموقعه السياسي وحقوقه الوطنية.
فالمقال لا يكتفي باشتراط عدم الانتماء إلى حركة حماس أو إلى أي تنظيم فلسطيني تعتبره إسرائيل معاديًا، وإنما يطالب المرشح بأن يقر بأن غزة هي موطنه الدائم، وأن يتخلى عن أي مطالبة بحق العودة، وأن يرفض شعار «من النهر إلى البحر»، وأن يلتزم بالتعايش السلمي مع دولة الاحتلال وإنهاء الصراع.
والأخطر أن المقترح يذهب مباشرة إلى جوهر قضية اللاجئين؛ إذ يدعو إلى تحديد المرشحين المسجلين لدى الأونروا، وإجبارهم، قبل دخول الخدمة، على تسليم وثائق اللاجئ، والتوقيع على التخلي عن صفة «اللاجئ الفلسطيني»، وتقديم طلب لشطب أسمائهم وأسماء أفراد أسرهم من سجلات الأونروا، ثم الحصول على وثيقة تثبت أنهم «مقيمون دائمون في غزة».
وهنا لا تعود المسألة مجرد شروط للالتحاق بجهاز شرطة، بل تتحول إلى مشروع سياسي يستهدف إعادة صياغة هوية الفلسطيني، وتصفية قضية اللاجئين، وضرب حق العودة من بوابته الأكثر حساسية: قطاع غزة، حيث يعيش أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ فلسطيني.
وإذا كانت هذه الأفكار تطرح اليوم بوصفها شروطًا لتشكيل قوة أمنية، فإن خطورتها تتجاوز هذه القوة نفسها؛ لأنها تكشف عن تصور أوسع لما يراد أن تكون عليه غزة في مرحلة ما بعد حرب الإبادة: ليس فقط إعادة ترتيب بنيتها الأمنية والسياسية، وإنما إعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية التي حافظت على التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق العودة.
إن قضية اللاجئين ليست «وضعًا إداريًا» تمنحه الأونروا أو تسحبه، وليست بطاقة يمكن إتلافها كي يسقط معها حق تاريخي وقانوني وسياسي. كما أن حق العودة ليس امتيازًا شخصيًا يتنازل عنه موظف يريد الالتحاق بالشرطة، ولا يمكن اختزاله في موقف فردي أو توقيع تحت الضغط.
وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 194، ولا سيما الفقرة الحادية عشرة منه، أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ينبغي السماح لهم بذلك في أقرب وقت ممكن، إلى جانب معالجة قضية التعويضات.
ولم تكن الأونروا يومًا مصدر حق العودة حتى يمكن إلغاؤه بإلغاء الوكالة أو شطب اسم لاجئ من سجلاتها. فالأونروا نشأت أصلًا لتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، بينما ترتبط قضية اللاجئين بجذور سياسية وتاريخية وقانونية أعمق من وجود الوكالة نفسها. ولذلك فإن إلغاء الأونروا، أو تغيير السجلات، أو إعادة تصنيف اللاجئين، لا يلغي القضية التي نشأت عن اقتلاع شعبنا من أرضه وتهجيره منها.
ولهذا فإن ما نشره معهد مسغاف يستحق التوقف الجدي أمامه، ليس باعتباره مجرد رأي لباحث إسرائيلي، وإنما بوصفه إشارة إلى أحد المسارات المحتملة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بعد حرب الإبادة، والتي يجري إعدادها تحت عناوين إعادة الإعمار وإعادة تنظيم الأمن والحكم في قطاع غزة: الانتقال من محاولة إخضاع الأرض والسيطرة عليها إلى محاولة إعادة تعريف الإنسان الفلسطيني وحقوقه وذاكرته ومستقبل قضيته.
والمسألة هنا لا تتعلق فقط بشرطة غزة أو بأفرادها، بل بالسؤال الأوسع: أي غزة يراد بناؤها بعد الحرب؟ ولأي شعب؟ وبأي هوية وطنية؟ وتحت أي سقف سياسي؟
فإذا كان المطلوب أن تتحول إعادة الإعمار وإعادة تنظيم الأمن والحكم إلى أدوات لتصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة، وإعادة تعريف الفلسطيني بوصفه «مقيمًا دائمًا في غزة»، فإن مواجهة هذا المسار تصبح ضرورة وطنية عاجلة، لا ترفًا سياسيًا.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا الهجوم لا ينبغي أن تقتصر على الدفاع عن «صفة لاجئ»، وإنما يجب أن تكون دفاعًا عن جوهر القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة. فهذه الحقوق لا يمكن إسقاطها بتغيير المسميات والوثائق، ولا بإعادة هندسة سكان غزة سياسيًا، ولا بفرض ترتيبات أمنية وإدارية من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
والأخطر أن القبول بمثل هذه الترتيبات، ولو بصورة تدريجية قد يفتح الباب أمام تحويل ما هو مؤقت إلى أمر واقع، وما هو أمني وإداري إلى مسار سياسي، وما هو إجراء فردي إلى سياسة عامة تمس هوية ملايين اللاجئين وحقوقهم.
ولذلك فإن الرد الفلسطيني المطلوب لا ينبغي أن يكتفي برفض هذه الشروط، وإنما يتطلب مبادرة سياسية فلسطينية شاملة تستعيد زمام المبادرة، وتعيد وضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح باعتبارها قضية شعب واقع تحت الاحتلال، وقضية حقوق وطنية غير قابلة للتصرف، وتضع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي في مواجهة مشاريع الوصاية وإعادة الهندسة السياسية التي يجري إعدادها لغزة وما بعدها.
فالمعركة ليست على بطاقة لاجئ، ولا على سجل في الأونروا، بل على حق شعب في أرضه، وعلى ذاكرته الوطنية، وعلى حقه في تقرير مصيره والعودة إلى دياره. ومن يحاول شطب صفة اللاجئ اليوم، إنما يحاول شطب الرواية والحق والقضية الفلسطينية.