الطائفية: لوثة الوعي الجمعي ووباء الانتماء الزائف – نحو وطنية متحررة من العصبية

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

الطائفية ليست مجرد انتماء ديني أو مذهبي، بل هي انحراف في بنية الوعي الجمعي، ووباء فكري يعيد إنتاج الانقسام ويبرّر الهيمنة. إنها، في جوهرها، أشبه بالجذام الوبائي: خفيٌّ في بداياته، مدمّر في استمراره، يُشوّه الجسد السياسي والاجتماعي للأمم، ويُفرغ فكرة المواطنة من مضمونها الأخلاقي والمدني. إنها «لوثة عقلية» – بتعبير دقيق – تقوم على توهّم البقاء الأبدي في السلطة، لا عبر الكفاءة أو الرؤية، بل عبر استدعاء العصبية وتقديس الانتماء ما قبل الوطني.
أولاً: الطائفية بوصفها بنية مرضية في الوعي الجمعي
فالهوية، حين تُبنى على نفي الآخر، تتحول إلى شكل من أشكال الاستبداد. والطائفية، بهذا المعنى، لا تبني ذاتها إلا عبر إقصاء بقية الطوائف، فتغدو هوية نقيضة لا هوية قائمة على تمايز ثقافي مشروع.
وفي هذا السياق، يمكن استعارة مفهوم «اللوثة» من علم النفس؛ فكما أن بعض الاضطرابات الذهانية تُشوّه إدراك الواقع وتخلق أوهاماً مرضية، فإن الطائفية تُصيب الذهن الجمعي بوهم امتلاك الحقيقة المطلقة والخلاص الحصري والشرعية الأبدية. وهو ما وصفه كارل بوبر بـ«عقلية القبيلة المغلقة» التي ترفض الحوار والانفتاح وتعيش داخل يقينها المغلق.
ثانياً: الطائفية كأداة سلطوية واستبداد مقنّع
لم تكن الطائفية يوماً مشروعاً أخلاقياً أو إنسانياً، بل كانت – في عمقها – أداة للاستحواذ على الدولة. فالطائفي لا يؤمن بالدولة بوصفها مؤسسة للمواطنة، بل يتعامل معها باعتبارها غنيمةً تاريخية ينبغي احتكارها.
فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى أدوات العنف الصريحة، بل كثيراً ما تشتغل عبر «أنظمة المعرفة والخطاب». والطائفية تُنتج خطابها عبر المدارس والمنابر ووسائل الإعلام، لتُقنع الطوائف بأنها مهدَّدة إن لم تتمسك بزعمائها ورموزها، وهكذا تتحول العلاقة من علاقة سياسية قابلة للنقد والمراجعة إلى علاقة ميتافيزيقية شبه مقدسة.
ثالثاً: البديل الوطني – الهوية الجامعة في مواجهة الهويات القاتلة
إن الرد على الطائفية لا يكون بطائفية مضادة، بل بالخروج من منطق الطوائف برمّته. وكما يوضح أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة»، فإن البشر يُقتلون كثيراً باسم هويات لم يختاروها، بينما تستطيع الدولة الحديثة أن تبني هوية مدنية أوسع وأكثر إنسانية.
فالهوية الوطنية هي السياج الوحيد القادر على احتواء التعدد دون أن يتحول إلى تنافر أو حرب أهلية كامنة. نحن نؤمن أن الوطن ليس مجرد أرض وحدود، بل كرامة وعدالة وشراكة إنسانية. وإذا كانت الطائفية تُهين الفرد وتحصره داخل قفص الطائفة، فإن الوطنية الحقة تعيد إليه قيمته بوصفه مواطناً لا تابعاً.
رابعاً: تطهير الخطاب من سموم الطائفية
لكي يتحرر الوطن من الطائفية، لا بد أولاً من تطهير اللغة ذاتها من رموز العصبية والكراهية؛ فالطائفية تبدأ بالكلمات قبل أن تنتهي بالبندقية.
وكما بيّن نعوم تشومسكي، فإن اللغة لا تنقل الواقع فقط، بل تُسهم في إنتاجه وصياغته. وإذا استمر الإعلام وخطاب النخب في إعادة إنتاج المصطلحات الطائفية، فإن البنية اللاواعية للمجتمع ستظل مأزومة ومشدودة إلى الانقسام.
إن ما نحتاجه اليوم هو خطاب عربي جامع، لا يستند إلى العصبية الدينية أو المذهبية، بل إلى الأخلاق المدنية والعدالة الإنسانية؛ خطاب لا يُمجّد الطائفة، بل يُعلي من شأن الوطن والإنسان.
خاتمة: نحو تحرر الوعي من الطائفية
لقد تراجعت سلطة الطوائف في بعض مظاهرها التقليدية، لكن أشباحها ما تزال تحوم في الوعي والخطاب والثقافة السياسية. ولن يتحقق الخلاص الحقيقي إلا بإعادة بناء المعنى الوطني على أسس المواطنة والعدالة والانتماء الأخلاقي الحر.
فالطائفية ليست قدراً أبدياً، بل صناعة بشرية يمكن تفكيكها متى تحرر الإنسان من «الانتماء الغريزي» – كما وصفه عبد الرحمن الكواكبي – لصالح انتماء عقلاني وإنساني أرحب.
إن الهوية العربية، حين تتحرر من النزعات الدينية المتعصبة ومن أوهام التفوق الطائفي، تصبح وعاءً حضارياً رحباً يتسع للجميع، وتغدو الرد العملي والطبيعي على أمراض الطائفية التي لم تورث مجتمعاتنا سوى الانقسام، والحروب، والاستبداد المقنّع.