يقولون إن الحضارات تُقاس بما تبنيه…
وأنا أعتقد أن الحضارات تُقاس بما تجعل شعوبها تنتظره.
هناك شعوب تنتظر قطارًا يصل في موعده.
وشعوب تنتظر نتائج أبحاثها العلمية.
وشعوب تنتظر انتخابات تغيّر حكوماتها.
أما نحن…
فصرنا ننتظر الماء…
والدواء…
والراتب…
وفتح المعبر…
وفتح الجسر…
وفتح الطريق…
وفتح محطات الوقود…
وحتى فتح نافذةٍ صغيرةٍ للأمل.
حتى أصبح الانتظار هو المهنة الوحيدة التي نتقنها جميعًا.
لكن المأساة ليست في الانتظار.
المأساة أن أحدًا أقنعنا أن الانتظار قدر، وأن الصبر علاج لكل فشل، وأن الوقت كفيل بحل كل شيء، بينما كان الوقت في الحقيقة يسرقنا قطعةً قطعة.
فالطابور ليس صفًا من البشر.
إنه مختبر.
يدخل إليه الإنسان مواطنًا، ويخرج منه كائنًا أكثر استعدادًا للتأجيل، وأكثر قدرةً على التكيف مع ما كان يرفضه بالأمس.
في الطابور لا يُختبر صبرك…
بل يُعاد تعريف كرامتك.
في بدايته تغضب لأنك تنتظر.
ثم تتأفف.
ثم تصمت.
ثم تعتاد.
ثم تبدأ بإقناع غيرك أن الصراخ لا يفيد.
ثم تدافع عن الانتظار وكأنه قانون الطبيعة.
وهكذا ينتصر الطابور.
لا لأنه أطال وقوفك…
بل لأنه غيّر وعيك.
لقد أدركت السلطات عبر التاريخ، أن الإنسان الغاضب خطر، وأن الإنسان الجائع قد يثور، لكن الإنسان المنشغل بالانتظار لا يشكل خطرا… لأنه لا يجد وقتًا للثورة ولا فراغًا للتفكير، ولا طاقةً للسؤال.
إنه يقضي عمره وهو يلاحق دوره.
وحين يأتي دوره…
يكتشف أن عمره هو الذي انتهى.
ولذلك لم تكن الطوابير يومًا مجرد نتيجة لأزمة.
في كثير من الأحيان كانت الأزمة نفسها تُدار بالطابور.
فالطابور يصنع مواطنًا مشغولًا بحاجاته اليومية، لا بقضاياه الكبرى.
ويصنع ذاكرةً قصيرة، لا تفكر إلا بما ينقصها اليوم.
ويصنع خوفًا دائمًا من فقدان القليل، حتى ينسى الإنسان أنه كان يملك حق المطالبة بالكثير.
ثم يحدث التحول الأخطر…
يصبح الناس يتنافسون على أماكنهم في الصف، بدل أن يسألوا: من الذي أنشأ هذا الصف أصلًا؟
يتشاجرون على الأدوار…
وينسون أن المشكلة ليست في ترتيب الواقفين…
بل في هندسة الوقوف نفسها.
وهناك، تولد الهزيمة الحقيقية.
حين يصبح أقصى طموح الإنسان أن يصل إلى مقدمة الطابور…
لا أن يُنهي الطابور.
ذلك هو الانتصار الكامل لأي احتلال، وأي فساد، وأي منظومة تريد شعبًا منشغلًا بالانتظار أكثر من انشغاله بالحياة.
ولذلك…
لا يبدأ التحرر يوم تمتلئ خزانات الوقود.
ولا يوم تُصرف الرواتب.
ولا يوم تُفتح المعابر.
يبدأ يوم يسأل الناس السؤال الذي أخّروه طويلًا:
من الذي جعل الانتظار نظامًا للحياة؟
وعندما يُطرح هذا السؤال…
يبدأ سقوط الطابور الأخير.