السياسي -متابعات
تصدر مسلسل “العاصي” اهتمام جمهور الدراما السورية ورواد منصات التواصل الاجتماعي، بعد حالة واسعة من الجدل، مؤخراً، سبقت عرضه، ليصبح واحدًا من أكثر الإنتاجات المنتظرة في شهر رمضان 2027، عقب انتهاء التصوير في سوريا.
ويأتي هذا الاهتمام مدفوعًا بطبيعة الموضوع الجدلي الذي يطرحه العمل، إلى جانب عودة المخرج الليث حجو إلى تقديم دراما ذات طابع سياسي واجتماعي تتناول مرحلة مفصلية من التاريخ السوري، في تجربة تبدو منذ الآن مرشحة لإثارة نقاش وجدل واسع يتجاوز حدود المشاهدة التقليدية، ما يجعل التوقعات الجماهيرية والنقدية كبيرة حول إمكانية المسلسل كتابة فصلًا جديدًا في الدراما السورية الحديثة.
واستنادًا إلى رواية “السوريون الأعداء” للكاتب فواز حداد، المأخوذ عنها المسلسل، يطرح “العاصي” مشروعًا دراميًا يقوم على تقديم وثيقة بصرية وتشريحية دقيقة لمسار تشكل الدولة الأمنية وتجربة الاعتقال السياسي، عبر رحلة زمنية تمتد من عام 1969 حتى عام 2011.
ولا يكتفي المسلسل بسرد الوقائع التاريخية، بل يتعامل معها بوصفها بيئة أنتجت تحولات نفسية واجتماعية عميقة، إذ يرصد آلية انتقال الخوف من الغريزة الفردية إلى المنظومة الجماعية التي تبتلع المجتمع برمته، ما قد يمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز القراءة السياسية المباشرة، ويضع المشاهدين في سوريا في قلب الحكاية باعتبارهم الضحية الأولى لتحولات السلطة وآلياتها.
ومن المتوقع مواصلة الليث حجو، في مسلسل “العاصي”، منهجه الإخراجي المعروف بالجمع بين المقاربة النفسية والسياسية، بعيدًا عن الاكتفاء باستعادة الأحداث، بل بالاتجاه إلى تفكيك جذورها وتشريح آثارها الممتدة، عبر معاينة نتائج الأزمة السورية وربطها بما سبقها من تراكمات تاريخية صنعت البيئة التي أفضت إلى تلك المآلات.
ويراهن “العاصي” كذلك على قوة حضوره التمثيلي، بتوليفة تجمع نخبة من أبرز نجوم الدراما السورية، يتقدمهم سلوم حداد، وبسام كوسا، وفادي صبيح، ويارا صبري، وزوزينا لاذقاني، وأندريه سكاف، ووسام رضا، وورد عجيب، ليبدو أن التنوع في اختيار نجوم التمثيل بين المخضرمين والشبان ليس مجرد اختيار إنتاجي، بل لخدمة البناء الدرامي نفسه، عن طريق مواكبة الامتداد الزمني الطويل للأحداث، بما يعزز القدرة على تجسيد التحولات التاريخية والإنسانية عبر أجيال متعاقبة.
وتكمن أهمية “العاصي” في هويته الفكرية المتوقعة، إذ لا يبدو بأنه يسعى إلى إعادة فتح الجراح السورية لتكريس الألم أو استثمار المأساة، بقدر ما يطرح مقاربة حول مساءلة الماضي وفهم الحاضر ومواجهة التحول لحراك تصالحي مع التاريخ وتفنيد الكلفة الإنسانية التي دفعها المجتمع السوري عندما أصبحت السلطة والخوف وجهين لواقع واحد.