مداخلتي خلال نشرة الاخبار على قناة العربية الحدث الفضائية (الرياض)، الساعة التاسعة والنصف مساء الجمعة ٥ حزيران ٢٠٢٦م، للتعليق حول ما يثيره ملف النفوذ الإيراني في العراق من جدل واسع، لا سيما في ظل الاتهامات المتكررة بوجود شبكات مالية واقتصادية وأمنية عابرة للمؤسسات الرسمية، تعمل على توظيف الموارد العراقية لخدمة أجندات إقليمية وسياسية. وبينما تتصاعد الدعوات إلى تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، تبقى تساؤلات عديدة مطروحة بشأن حجم النفوذ الاقتصادي للفصائل المسلحة، ودور الفساد المالي والإداري في ترسيخ هذا النفوذ، وإمكانية انتقال تلك الفصائل من العمل المسلح إلى العمل السياسي المدني.
إن مسألة الفساد المالي والإداري تُعد من أخطر التحديات التي واجهها العراق منذ عام 2003. فقد ساهمت السياسات الإيرانية، وفق العديد من التقديرات والتحليلات، في تحويل العراق إلى ساحة مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة من جهة، وإلى فضاء اقتصادي تستفيد منه شبكات التهريب والاقتصاد الموازي من جهة أخرى، بما يساعد إيران على التخفيف من آثار العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية المفروضة عليها.
وعلى سبيل المثال، تُثار باستمرار اتهامات بشأن تهريب كميات كبيرة من النفط تقدر بـ 300 الف برميل يوميا، عبر شبكات منظمة تعمل انطلاقاً من محافظة البصرة، وسط غياب إجراءات حاسمة لوقف هذا الاستنزاف المستمر للثروة الوطنية العراقية. كما كشفت تقارير عديدة عن تورط شركات وشبكات تجارية في تهريب النفط الإيراني عبر بيانات تصدير وشركات ناقلة عراقية وإعادة تصديره بواجهات مختلفة.
وفي ملف الكهرباء، كان رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي قد أشار قبل سنوات إلى أن حجم الهدر والفساد في هذا القطاع بلغ مستويات هائلة تقدر بـ 84 مليار دولار. كما أن جزءاً من الأموال التي أُنفقت في هذا القطاع ارتبط بعقود وشركات لها علاقات مباشرة أو غير مباشرة بمؤسسات وشخصيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تمتلك بعض الفصائل المسلحة شركات اقتصادية ومؤسسات مالية ومقاولات تجارية تحاكي إلى حد كبير النموذج الاقتصادي المعتمد لدى الحرس الثوري الإيراني، من خلال تأسيس شركات استثمارية ومقاولات ومؤسسات مالية تُستخدم في أنشطة اقتصادية متنوعة، بعضها يثير شبهات تتعلق بغسل الأموال أو التهرب من الرقابة المالية.
كما أن المنافذ الحدودية بين العراق وإيران شكلت على مدى سنوات طويلة إحدى أبرز نقاط الجدل، بسبب الحديث عن ضعف الرقابة ووجود عمليات تهريب للبضائع والأموال والعملات الصعبة.
وفي هذا السياق، تبرز خصوصية الحالة العراقية مقارنة ببعض الساحات الأخرى المرتبطة بالنفوذ الإيراني. ففي حين تعتمد بعض القوى الحليفة لطهران في المنطقة على التمويل القادم من إيران، فإن العراق يمتلك موارد مالية ضخمة، ما يجعل بعض الشبكات المحلية قادرة على توفير التمويل والدعم المالي بصورة معاكسة، أي من العراق باتجاه إيران أو نحو حلفائها الإقليميين.
وقد أُثيرت خلال السنوات الماضية اتهامات متكررة بشأن قيام شخصيات سياسية وجهات نافذة بتحويل مبالغ مالية كبيرة إلى خارج البلاد. كما تحدث مسؤولون وخبراء سابقون عن أرقام هائلة تتعلق بالهدر المالي والفساد الذي رافق إدارة الدولة العراقية خلال العقود الماضية.
فقد أشار محافظ البنك المركزي العراقي الأسبق الدكتور سنان الشبيبي إلى أن حجم الأموال المهدورة خلال سنوات معينة بلغ مستويات تقدر بـ 700 مليار دولار كان يمكن أن تُحدث نقلة عمرانية وتنموية كبرى في العراق لو أُحسن استثمارها. كما كشف النائب السابق عادل نوري في عام 2016 عن ملفات تتعلق بمئات المليارات من الدولارات التي أُنفقت دون وجود بيانات دقيقة توضح أوجه صرفها النهائية.
كذلك طرح الدكتور أحمد الجلبي قبل وفاته العديد من الملفات المتعلقة بالفساد المالي وآليات تهريب الأموال والتلاعب بالعملة الأجنبية داخل بعض المؤسسات المالية والمصرفية وماهد من تصريف البنك المركزي يقدر بـ 360 مليار دولار.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز السؤال الأهم: هل يمكن للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران أن تتخلى عن سلاحها وتتحول إلى العمل السياسي المدني؟ الواقع يشير إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بالمصالح الاقتصادية والمالية، بل ترتبط أيضاً بعوامل عقائدية وأيديولوجية. فبعض الفصائل تعتبر نفسها جزءاً من مشروع إقليمي تقوده إيران، وترى في سلاحها أداة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها بسهولة، كما أن بعض قياداتها تعلن صراحة رفضها لفكرة نزع السلاح أو دمجه الكامل في مؤسسات الدولة.
إلى جانب ذلك، تمتلك هذه الفصائل موارد مالية وشركات ومؤسسات اقتصادية وقواعد نفوذ واسعة، الأمر الذي يمنحها قدرة كبيرة على الاستمرار والتأثير داخل المشهد السياسي والأمني العراقي.
لذلك، فإن قضية حصر السلاح بيد الدولة لا ترتبط فقط بالإجراءات الأمنية أو القانونية، بل تتطلب معالجة شاملة لجذور الفساد المالي والإداري، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإعادة بناء النظام الاقتصادي والرقابي، بما يحد من نفوذ شبكات المصالح التي تشكل أحد أهم أدوات النفوذ الإقليمي داخل العراق.
وفي المحصلة، يبدو أن العراق يواجه تحدياً مركباً يجمع بين الفساد والاقتصاد الموازي والسلاح والعقيدة السياسية والدينية التي تمنع تسليم السلاح للدولة تحت ذريعة عائدية السلاح للأمام الغائب المهدي الذي عند ظهوره سيقود الجيوش للحرب على الشيطان الامبر وبناء دولة العدل والقانون الالهي، وهي عناصر تداخلت خلال السنوات الماضية لتدعم استراتيجيات النفوذ الإقليمي لإيران ولاية الفقيه وتُعقّد مسار بناء الدولة واستعادة سيادتها الكاملة.
*مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية.








