جاري التحميل...

العقل المكسور والهوية المتصدعة: في خيانة العقلانية وتكريس الانتماء القبلي.

في مجتمعات تتغنّى بالتعدد والتنوع، وتملأ فضاءاتها الخطابية بشعارات الحوار والتسامح وقبول الآخر، نُفاجأ، بل نُصدم، حين نرى أول امتحانٍ للاختلاف يتحوّل إلى حلبة صراخ وسباب، وإلى مهرجان للتهارش اللفظي والعنف الرمزي. من المفارقات التي تثير الحسرة أن هؤلاء المتعلمين، الذين خُيّل إلينا أنهم نهلوا من معين العقل، وسلكوا دروب الفكر النقدي، يتهاوون عند أول خلاف، ويتراجعون إلى مغاور الانتماء الطائفي والمذهبي، كأنهم لم يغادروا بعد كهوف القبيلة.
_ خيانة العقل: حين يُستدعى “الشيخ” في ساحة المنطق
لقد علَّمنا الفكر الفلسفي منذ سقراط، أن الحوار لا يكون إلا بين عقول حرة غير مشروطة، وأن الفهم لا يولد إلا في فضاء من الانفتاح المتبادل. غير أن الواقع العربي، بكل ثقله الطائفي والديني والسياسي، يُظهر أنّ التعلّم ليس بالضرورة مؤشراً على التحرر من القيد، بل قد يكون في أحيان كثيرة مجرد تكديس للمعلومات داخل أطر ذهنية لم تُفكَّك بعد.
حين يختلف اثنان في الرأي، ننتظر جدلاً عقلانياً، تبادلاً للحجج، فحصاً للوقائع، واستدعاءً لمبادئ التفكير المنطقي. غير أننا نشهد في الغالب ما يشبه الانقضاض الحيواني؛ حيث تُسحب فجأة أوراق “الهوية القاتلة”، ويتم الاصطفاف لا على أساس الفكر بل على أساس المذهب، أو العشيرة، أو المرجعية الدينية. وكأنّ كل ما تعلموه عن براديغم العقلانية والواقعية لم يكن سوى قشرة، تهشّمت في أول احتكاك بالحقيقة المؤلمة: الانتماء أعمق من القناعة.
يقول المفكر السوري جورج طرابيشي في معرض نقده للتدين اللاعقلاني: “لقد أخطأنا عندما ظننا أن التنوير يأتي بتعليم الأفراد القراءة والكتابة؛ التنوير لا يكون إلا بتحرير الفرد من ولائه المطلق لسلطةٍ ما، سواء كانت دينية أو مذهبية أو قبلية.” وهنا تكمن الكارثة: المثقف المأزوم الذي يرتدي قناع العقل، ثم يسقط في حضن الطائفة عند أول منعطف.
_ الطائفة كمأوى للجبن الفكري
الطائفة ليست فقط جماعة دينية أو مذهبية، بل هي نمط تفكير مغلق، تحتمي به الأنا الهشة عندما تعجز عن المواجهة. يُلاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الهويات الجماعية تصبح ملاذاً للفرد حين يفشل مشروعه الشخصي في تكوين ذات نقدية مستقلة. فالإنسان الذي لم يختبر الانفصال عن القبيلة فكرياً، سيبقى أسيراً لها في أعمق قراراته، حتى لو قرأ “كانط” و”هيغل”.
من المؤلم أن يتحول “العقل” إلى مجرد ديكور في خطاب المتعلمين. أن نجد من يكرر مقولات العقلانية و”التفكير العلمي”، لكنه عند أول توترٍ معرفي أو وجداني، يهرول إلى كتب شيوخه ومراجع طائفته، وكأنها الكلمة الأخيرة في الكون. هذا الانقلاب على العقلانية يعكس هشاشة في البنية النفسية والمعرفية للفرد، ويجعل من “الاختلاف” لعنة، لا مدخلاً للفهم.
_ الحوار المستحيل: لماذا يفشل المثقفون في قبول الاختلاف؟
الجواب يكمن في غياب التأسيس النفسي والفكري لثقافة الاختلاف. فالحوار، كما يرى كارل بوبر، لا يتم إلا في مناخ من اللايقين الإيجابي، حيث ندرك أننا قد نكون على خطأ، وأنّ الطرف الآخر يحمل جزءاً من الحقيقة. أما حين يدخل كل فرد إلى الحوار وهو مقتنع بعصمة مرجعيته، فإن ما يحدث ليس حواراً بل مجرد إعلان نوايا وتعصّب.
من هنا، تبدو المقولة التي تتردّد كثيراً في المجال العام “نتفق على ألا نتفق” مجرد شعار أجوف، لأنّنا في العمق نرفض ألا يُشبهنا الآخر. نرفض أن يختلف، نرفض أن يخطئنا، نرفض حتى أن يفكر خارج خرائطنا. ولعلّ هذا ما قصده إدوارد سعيد حين قال إنّ “الاختلاف في المجتمعات التسلطية يُنظر إليه كخيانة لا كظاهرة طبيعية”.
_ هل نحن أبناء العقل أم أبناء القبيلة؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي علينا أن نواجهه بشجاعة. هل نحن فعلاً ورثة التنوير كما نزعم، أم أن خطابنا التقدّمي ليس سوى قناع هش يُخفي بنيات طائفية، وعقائد متكلسة، وانتماءات تعصّبية تُهيمن علينا من اللاوعي الجمعي؟ إنّ المشروع العقلاني الحقيقي لا يتحقق بالخطابات ولا بالشعارات، بل بتفكيك ما أسماه بيير بورديو “العنف الرمزي”، أي تلك البنى اللا مرئية التي تفرض علينا ولاءاتنا دون أن نشعر.
في الختام: من عقل الشعار إلى عقل الممارسة.
نحن لا نُصاب بخيبة الأمل لأنّ الناس يختلفون، بل لأنّهم لا يعرفون كيف يختلفون. ولأنّ الذين تعلموا أن الحوار سبيل الحقيقة، سرعان ما يستبدلون عقولهم بطربوش شيخهم، ويُسكتون المنطق بسوط المذهب. من هنا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تعليم التفكير النقدي، بل إلى إعادة بناء النفسية المعرفية للإنسان العربي، ليتحرّر من ولائه “لما قيل له”، وينهض إلى مقام “ما يستطيع أن يقوله” بعد فحص وتأمل ومساءلة.
وكما قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: “ليس المهم أن تقول الحقيقة، بل أن تكون مستعداً لدفع الثمن من أجل قولها.” ونحن – ويا للأسف – ما زلنا نؤثر دفء الطائفة على برد الحقيقة، وننحاز إلى ما يُرضينا لا إلى ما يُنير عقولنا.