يمرّ العيد في فلسطين كأنه لحظة قصيرة تشبه هدنةً خفيفة بين ضجيج الأيام وثقلها، ثم ينسحب بهدوء تاركًا خلفه سؤالًا لا يحتاج إلى إجابة سريعة بقدر ما يحتاج إلى صدق في الفهم: ماذا بقي فينا حين هدأت المظاهر وعادت الحياة إلى عادتها؟
في العيد، تتقدّم البساطة على التعقيد ويصبح الإنسان أقرب إلى نفسه وإلى من حوله. تتراجع المسافات وتلين اللغة ويبدو المجتمع – رغم كل ما يثقل واقعه – أكثر قدرة على التلاقي. وكأننا نتذكّر ولو مؤقتًا، أن الأصل في هذه الأرض هو الحياة، لا الصراع مع الحياة.
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في لحظة العيد، بل في ما يُفترض أن يمتد بعدها.
فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على صناعة لحظات دفء عابرة، بل بقدرتها على تحويلها إلى سلوك عام، إلى علاقة دائمة بين الناس، إلى وعيٍ يحمي النسيج الاجتماعي من التآكل البطيء.
في فلسطين، لا يمكن فصل الاجتماعي عن السياسي، ولا اليومي عن العام. فكل تفصيل صغير في حياة المواطن هو انعكاس مباشر لطريقة إدارة الواقع. والمواطن هنا ليس متلقيًا هامشيًا للقرارات، بل هو المقياس الحقيقي لجدواها: إن خفّ العبء عنه شعر الناس أن الاتجاه صحيح، وإن ازداد ثقل التفاصيل فهم أن الخلل أعمق من النصوص.
وكذلك الموظف، الذي يشكّل الإيقاع اليومي للدولة، ليس مجرد عنصر إداري، بل هو جزء من فكرة الاستقرار نفسها. حين يطمئن، ينعكس ذلك على كل المؤسسات وحين يتعب، يتعب معه الشعور العام حتى لو بقيت العناوين الرسمية كما هي.
لكن وسط هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: من الذي يجمع الناس حقًا اليوم؟
هل هي السياسات؟ أم المؤسسات؟ أم أن الرابط الأعمق ما زال هو تلك القناعة البسيطة بأننا رغم كل شيء، في خندق واحد حين يتعلق الأمر بالثوابت الكبرى؟
ففلسطين، التي خبرت معنى المواجهة مع الاحتلال بكل أشكالها، تعرف أن وحدتها ليست شعارًا يُقال، بل ضرورة وجودية تُختبر كل يوم. وأن أي انحراف عن هذه الحقيقة سواء بالانشغال بالذات على حساب الكل، أو بالتكيّف مع منطق المصالح الضيقة، لا يضعف طرفًا بعينه، بل يرهق الجسد كله بصمت.
ومن هنا، يصبح الحديث عن التماسك الداخلي ليس رفاهية أخلاقية، بل جزءًا من معنى الصمود نفسه. لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على الحفاظ على توازنه الداخلي، يُتعب نفسه قبل أن يُتعب خصمه.
ومع انتهاء العيد وبداية الصيف، تبدو الفرصة مفتوحة لإعادة ترتيب الإيقاع العام:
أن نخفف من منطق التباعد غير المبرر بين الناس
وأن نعيد الاعتبار لفكرة أن القوة تبدأ من الداخل
وأن نُذكّر أنفسنا – بهدوء لا صخب فيه – أن من يتجاوز جوهر قضيته، لا يخسر موقفًا فقط، بل يخسر جزءًا من معناه.
فالمعركة الأساسية هنا ليست مع الخارج وحده، بل مع كل ما يضعف قدرتنا على البقاء متماسكين من الداخل: بوعي، وبمسؤولية وبحدّ أدنى من الإنصاف المتبادل.
العيد يمرّ، لكن أثره الحقيقي أن يوقظ فينا هذا السؤال:
هل ما زلنا نرى بعضنا كما يجب أن نكون… أم كما فرضت علينا التفاصيل أن نصبح؟
وفي فلسطين، هذا السؤال ليس تأملًا عابرًا… بل شرطًا من شروط البقاء.
بقلم:شادي عياد






