جاري التحميل...

لن نُخَوَّن… ولن نُستدرج: فلسطين أكبر من حملاتكم حين تعجز الحُجّة… يبدأ التخوين

بقلم:م.محمد علي العايدي

منذ الإعلان عن موعد الانتخابات، بدأت حملة غير مسبوقة من الهجوم على السلطة الوطنية الفلسطينية وقيادتها، وصلت في بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية إلى حدّ التخوين والاتهام بالعمالة، وكأن المطلوب ليس خوض معركة سياسية أو انتخابية، بل إسقاط كل ما يجمع الفلسطينيين وتحويل خلافاتهم إلى حرب داخلية.

والأخطر من ذلك أن هذه الحملة لا تكتفي بالنقد السياسي، بل تعتمد على فيديوهات مجتزأة، ومقاطع مركّبة، وتصريحات أُخرجت من سياقها، وشائعات تُعاد صناعتها وتدويرها حتى تبدو وكأنها حقائق.

وهنا يجب أن نتوقف.

نعم، من حق أي فلسطيني أن ينتقد السلطة والقيادة، ومن حقه أن يختلف ويعارض ويحاسب، بل إن الانتخابات نفسها جاءت لتكون مساحة للاختيار والمحاسبة. لكن النقد شيء، وتحويل الخلاف السياسي إلى تخوين وشيطنة وتزييف للوعي شيء آخر تمامًا.

ومن حقنا أن نسأل: من المستفيد من تحويل الفلسطيني إلى عدو لأخيه الفلسطيني؟
من المستفيد من إشغال الناس بالشتائم والاتهامات بينما شعبنا يواجه احتلالًا واستيطانًا وتهجيرًا وضغوطًا سياسية واقتصادية هائلة؟

إسرائيل تعرف جيدًا أن أخطر ما يمكن أن يواجه مشروعها هو وحدة الفلسطينيين. ولذلك فإن كل خطاب يدفع الفلسطيني إلى كراهية الفلسطيني، وكل حملة تجعل من الانقسام قدرًا دائمًا، وكل محاولة لتدمير الثقة بين أبناء الشعب الواحد، يجب أن نتعامل معها بأعلى درجات الوعي والمسؤولية.

أما أبناء فتح، فهم قادرون على الرد.

وقادرون على كشف الكثير من الملفات، والرد على الكثير من الاتهامات، ومواجهة من يعتقد أن الصمت ضعف.

لكن هناك فرقًا بين العجز عن الرد وبين الترفع عن الرد.

فأبناء فتح الذين حملوا المشروع الوطني لعقود، والذين دفع شعبنا من أعمار أبنائه ودمائه الكثير من أجل فلسطين، يعرفون أن معركتهم الحقيقية ليست مع شتيمة على فيسبوك، ولا مع حساب مجهول، ولا مع مقطع فيديو مفبرك.

المعركة الحقيقية أكبر.

معركة شعب يريد الحرية والاستقلال، وأرض تتعرض للمصادرة، وقدس مهددة، وأسرى وعائلات تنتظر الفرج، وشعب يريد أن يحافظ على هويته الوطنية وقراره المستقل.

ولهذا فإن الرد على حملات التخوين لا يكون بالانجرار إلى مستواها.

الرد يكون بالوعي.
بالدليل.
بالحقيقة.
وبالعمل الوطني.

ومن يظن أن أبناء فتح لا يرون ما يجري فهو مخطئ.

هم يرون، ويقرأون، ويعرفون من يحاول جرّهم إلى معارك جانبية.

لكنهم يعرفون أيضًا أن فلسطين أكبر من الحسابات الشخصية، وأكبر من تصفية الحسابات، وأكبر من كل من يبحث عن شهرة أو مكسب أو دور على حساب وجع شعبه.

ولا يعني هذا أن السلطة فوق النقد، ولا أن القيادة فوق المحاسبة.

لا أحد فوق النقد والمساءلة.

لكننا نرفض أن تتحول الديمقراطية إلى سوق للتخوين، وأن تتحول الانتخابات إلى مناسبة لتدمير النسيج الوطني، وأن يصبح كل اختلاف سياسي خيانة، وكل موقف لا يعجب البعض عمالة، وكل كلمة مقتطعة من سياقها دليل إدانة.

فلسطين لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الكراهية.

تحتاج إلى رجال يعرفون متى يختلفون، ومتى يتوحدون.

وتحتاج إلى من يفهم أن الخلاف السياسي يمكن أن يكون مشروعًا، أما تكسير البيت الفلسطيني من الداخل فهو خدمة مجانية للاحتلال.

لقد اختلف الفلسطينيون كثيرًا، ودفعوا ثمن الانقسام غاليًا.

آن الأوان أن نتعلم من أخطائنا.

فالطريق إلى الحرية لا يمر عبر تخوين الفلسطيني للفلسطيني، ولا عبر إسقاط رموزنا الوطنية ببضعة مقاطع مجتزأة، ولا عبر حملات إلكترونية مجهولة المصدر.

طريق الحرية يبدأ عندما نعرف من هو خصمنا الحقيقي، وعندما نرفض أن نكون أدوات في معركة لا تخدم إلا أعداء شعبنا.

ولذلك نقول لكل من يراهن على جرّ أبناء فتح إلى معارك الشتائم والتخوين:

لن نمنحكم هذه الفرصة.

سنختلف حين يكون الاختلاف ضروريًا، وسننتقد حين يكون النقد واجبًا، وسنحاسب حين تكون المحاسبة حقًا، لكننا لن نحول خلافاتنا إلى حرب أهلية على صفحات التواصل.

لأن فلسطين أكبر من الجميع.

وأكبر من فتح، وأكبر من حماس، وأكبر من السلطة، وأكبر من أي فصيل أو حزب أو شخص.

فلسطين هي القضية، والوحدة الوطنية هي السلاح، والحرية والاستقلال هما الهدف.

ومن أراد أن يخدم فلسطين حقًا، فليتوقف عن تمزيق الفلسطينيين.

فالمعركة ليست بيننا… والمعركة الحقيقية لم تنتهِ بعد.