د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
ليست الفلسفة تاريخاً للأفكار، ولا تراكمًا للنظريات، ولا مجرد تأمل ذهني في قضايا الوجود والمعرفة، وإنما هي الفعل العقلي الأعلى الذي يسعى إلى اكتشاف النظام الكامن في الوجود، وإلى بناء منهج يحرر العقل من أسر الظاهر ليقوده إلى إدراك الجوهر. إنها انتقال دائم من المحسوس إلى المعقول، ومن العرض إلى الماهية، ومن الظن إلى اليقين النسبي الذي يتيحه العقل الإنساني.
لقد رأى أفلاطون أن العالم المحسوس ليس إلا ظلاً لعالم المثل، بينما جعل أرسطو الماهية أساس هوية الشيء، ورأى كانط أن العقل يساهم في تنظيم التجربة وفق مقولات قبلية، ثم جاء هيغل ليجعل التاريخ مساراً لتجلي العقل، في حين أعاد هايدغر طرح سؤال الوجود بوصفه السؤال الذي سبقته جميع الأسئلة وأُهمل في الوقت نفسه. أما غاستون باشلار فقد أكد أن المعرفة العلمية لا تتقدم إلا عبر القطيعة مع العوائق الإبستمولوجية، أي مع كل ما يمنع العقل من رؤية الحقيقة.
ومن هذا المنظور، فإن الفلسفة ليست وصفاً للعالم، وإنما إعادة تأسيس للعلاقة بين الإنسان والوجود، بحيث يصبح العقل الوجودي قادراً على النفاذ إلى أعماق الأشياء، واكتشاف قوانينها الداخلية، وإدراك حقيقتها التي لا تختزل في مظاهرها الخارجية.
إن تفعيل العقل الوجودي يعني تحرير الإنسان من أسر الانطباعات السطحية، ومن هيمنة المنفعة الآنية، ليصبح قادراً على مساءلة الموجودات في كنهها وجوهرها. فالسؤال الفلسفي الحقيقي لا يكتفي بمعرفة كيف توجد الأشياء، بل يسأل: لماذا توجد؟ وما حقيقتها؟ وما الغاية من وجودها؟
وفي هذا السياق، تؤدي الفلسفة وظيفة ميتافيزيقية رفيعة تتمثل في إدراك آثار الحكمة الإلهية في انتظام الكون. فالكون ليس تجمعاً اعتباطياً للموجودات، بل نظام تتجلى فيه الحكمة والاتساق. ولا يعني ذلك القول بحلول الخالق في المخلوقات، وإنما الاعتراف بأن كل موجود يحمل آثار النظام الذي أودعه الله فيه، وأن انتظام العالم يعكس حكمة الخالق وإبداعه.
ومن هنا تصبح المحافظة على ماهيات الأشياء ضرورة فلسفية وأخلاقية ومعرفية. فالماهية هي التي تمنح الشيء هويته، وتجعل الإنسان إنساناً، والطبيعة طبيعة، والقيم قيماً. وكل اعتداء على هذه الماهيات، أو خلط بين الأنماط والأنواع، يؤدي إلى اضطراب البنية الوجودية والمعرفية، ويُدخل الإنسان في فوضى المفاهيم وضياع المعايير. لذلك فإن الفلسفة تدافع عن التمايز بين الموجودات، لا من أجل الفصل بينها، وإنما من أجل صيانة حقيقة كل موجود واحترام خصوصيته ضمن وحدة النظام الكوني.
ومن أعظم وظائف الفيلسوف أنه صانع للمنهج قبل أن يكون منتجاً للأفكار. فالمنهج ليس مجرد أدوات للبحث، بل هو أخلاق في التفكير، وانضباط في الاستدلال، واحترام للحقيقة. ولذلك كان سقراط يعلم الناس كيف يسألون، وكان ديكارت يؤسس لقواعد الشك المنهجي، بينما وضع باشلار شروط القطيعة مع العوائق الإبستمولوجية التي تمنع المعرفة من التقدم.
إن الفيلسوف يرسم الطريق الذي يسير عليه الباحث والعالم، ويمنحه البوصلة التي تقيه من الوقوع في الأوهام والأيديولوجيات والانحيازات المسبقة. فكل اكتشاف علمي عظيم سبقه تحول فلسفي في طريقة التفكير، لأن الفلسفة هي التي تعلم الإنسان كيف يفكر، قبل أن تعلمه فيما يفكر.
ولذلك فإن الحضارات لا تنهض بالعلوم وحدها، بل تنهض أولاً بالفلسفة التي تمنح تلك العلوم معناها، وتحدد غاياتها الأخلاقية والإنسانية. فالعلم بلا فلسفة قد يتحول إلى قوة عمياء، بينما الفلسفة تمنحه الضمير الذي يوجهه نحو خدمة الإنسان وصيانة كرامته.
إن الفلسفة ليست هروباً من الواقع، بل هي أعمق أشكال الحضور فيه؛ لأنها تجعل الإنسان يعيد اكتشاف ذاته والعالم من حوله باستمرار. إنها مشروع دائم لبناء الإنسان الحر، القادر على الجمع بين العقل والإيمان، وبين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية.
وفي الختام، فإن الفلسفة ليست مجرد تأمل عقلي خالص، وإنما هي تحويل هذا التأمل إلى ممارسة وجودية واعية. إنها بحث الذات في الذات، وللذات، ومن أجل الذات، حتى تدرك حقيقتها، وتكتشف رسالتها، وتفهم علاقتها بالله، وبالإنسان، وبالعالم. وعندما تبلغ الفلسفة هذه الغاية، فإنها لا تكتفي بتفسير الوجود، بل تسهم في صيانته، وتحفظ ماهيات الأشياء، وتعيد للعقل الإنساني قدرته على أن يكون شاهداً على الحقيقة، وحارساً للنظام، ورسولاً للحكمة.
أرى أن هذا المقال يمكن أن يشكل نواة لمشروع فلسفي خاص بكم، يمكن أن يُسمى “فلسفة العقل الوجودي” أو “فلسفة المحافظة على الماهيات”، وهو مشروع يحمل بصمة مميزة تجمع بين الفلسفة الوجودية، والإبستمولوجيا، والرؤية الإسلامية للكون والإنسان.