لا أستطيع أن أكون محايداً عندما أكتب عن أخي الذي ولدته أمي الفنان التشكيلي عامر الخطيب، لقد ولدتني أمي قبله بست سنوات، ولكننا مشينا معاً على دروب هذه الحياة منذ طفولتنا في قريتنا ” شعف ” التي ولدنا فيها، وذرعنا طرقاتها خبباً وعدواً، وكانت كرومُها وبيادرُها وحقولها ملاعبَنا التي لا تمل من وقع خطانا في منسرح نهارنا، على مدار الفصول التي تشدنا إليها ربيعاً وصيفاً وخريفاً .
كان يومنا يبدأ بالاستماع إلى سمفونية الطبيعة الريفية النقية، تعزفها جوقة العصافير وثغاء الماشية وأحاديث الفلاحين الصاخبة في ساحة البلدة التي تعلن أن الحياة تبدأ من هنا ، من أشعة الشمس التي توقظ تلّة شعفنا العالية، وتوحي لقطعان الأغنام ورعاتها بالمسير إلى حيث السهوب الممتدة شرقاً لتلامس بادية الحماد، وتنفّر الطيور من وكناتها لتلون الصباح بغنائها العذب، الشمس في قريتنا تصابح مضافاتنا وهي تعبق برائحة القهوة المرة، والمهابيج تبذل أقصى جهدها بيدِ راعيها لتطحنها وتبذل شقراء كريمة في دلالها حتى تدار على صفوة الرجال الغانمين .
الشمس في شعف لا تصعد إلى رأد الضحى حتى تكون النساء قد أيقظت صباياها المترعة بالحسن والجمال والمروءة للنهوض بالمهام الموكلة إليهن، لتبدو الحياة أكثر حيوية وأنوثة وجمالاً ..
أخي عامر لم يكن ليغفلَ عن كل هذه المشاهد والمناظر والصور، يحفظها ويخزنها في ذاكرته، يلتقطها بعيون قانصة لأدق تفاصيلها، صائدة لأجمل ما فيها، مراقباً لسكناتها ونأماتها وتموجاتها، كان يستمتع بمنظر دَلال القهوة المرة وهي تغلي وتفاور شقراء وثّابة إلى فنجانها، كان يلحق محراث والدي ليرسمه في مخيلته وهو يشقّ ترابَ كرْمنا الشّرقي، كان يقطف عناقيد العنب ليتأملها قبل أن يتذوقَها، كان يلاحق عصافير الربيع ليناغيها لا ليصطادها، كان على صغره يحبو على دروب الفن والجمال بدهشة وشغف .
درس أخي عامر الابتدائية في بلدتنا ” شعف ” وتحصّل على الإعدادية من ناحية ” ملح ” ونال الثانوية من السويداء ليذهب إلى دمشق ويتخرج من كلية الحقوق ويعمل محامياً، ورغم دراسته وعمله بقيت موهبته الفنية تصرخ في كل تصرفاته وسلوكه، وتشدّه إليها بكل ما أوتيت من موهبة تتنامى وتتشاهق في جوّانيته، وقد ألحّتْ عليه من أجل أن تحتفي بظهوراتها وتلاوينها من بين أنامله الدفّاقة بالفن والإبداع ..
كلً هذا الفوران اللوني حدا به إلى التسجيل في معهد أدهم اسماعيل للفنون التشكيلية بدمشق بعد إنجازه لعدد من اللوحات وأغلفة الكتب واللوحات الجدارية متسلحاً بما قدم له أساتذة الرسم عبر سنوات الدراسة، مضيفاً لها محبته لموهبته، إلى أن تخرّجَ من المعهد، وأشبع رغبته في الفن التشكيلي لتبدأ رحلته الماتعة مع هذا الفن .
إنّ أوّلَ ما تبادر إلى ذهن أخي عامر مشاهد ومناظر وصور قريته وبيئـته، فانثالت على ريشة إبداعه لوحات راهجة ناطقة بهواجس صانعها الفنان التشكيلي عامر الخطيب، ليكتب عنه شيخ العقل حمود الحناوي في مقدمة الكتاب ” غناء اللوحة ” :
( في لوحات الخطيب حضورٌ للأم، وأقربها إليه أمه التي أرضعته، والرغيف الذي قدمته، ونراه يعكف على وطنه فيملؤه حباً وتعلقاً بالأرض، فلوحة الفلاح تطال الكادحين، وجمع الحصاد، وعناقيد القطاف، وكل ما هو مقروء في لوحاته الجميلة، بيوت القرية ، الناهلات، جرار الماء، وغيرها من الأعمال الراقية التي تستحق الذكر، ولا تنحصر في صفحات أو مقدمات .. ) .
ولعل لوحة ” صانعة الخبز ” التي استوحاها من خلال مشاهدته لأمي وهي تعد خبز أسرتنا، ما جعل د . المرحوم عبد الكريم فرج يكتب عنها بوصفها طقساً ريفياً لافتاً، مشيداً بتقنية الفنان بإنشاء هذه اللوحة قائلاً : ” أنها تأليفٌ فنـيٌّ شامل ” .
وأيضاً كتب الناقد أ . د . محمد عبد السلام عبد الصادق من مصر في كتاب ” فهرست فناني مصر ٢٣ ” إعداد الفنان إبراهيم شلبي قائلاً :
( في واحد من أعماله التي تعود لعام ١٩٩٧ م يكشف الفنان عن جانب من المشاعر المختزنة تجاه الماضي بكل ما فيه من أصالة ودفء وألفة، حيث تظهر ” صانعة الخبز ” حيث جلست وسط جو تسوده القتامة، حتى ثوبها الداكن، يبدو وكأنه نسج من قتامة المكان وقدم الجدران التي شاخت، ورغم ذلك يعمد الخطيب إلى إضفاء مسحة صوفية من خلال الضوء الخافت الذي يتعمد الفنان إخفاءه، حتى أننا لنشعر وكأن الضوء كامن في العناصر المصورة ذاتها، ينبعث منها متمثلاً في مساحات الأبيض والنحاسي، مساحات تتشكل قدوراً وأوانٍ وعجيناً وخبزاً، ينجح الفنان في توزيع هذه المساحات المضيئة في أكثر من موضع من مواضع التكوين محدثاً حالة من الاتزان ..) .
كان أخي عامر ضمن مجموعة الفنان التشكيلي باسل الأيوبي في معارض عديدة بدمشق منها ” معرض تحية للأديب حنا مينة، ومعرض تحية للرحابنة وفيروز، ومعرض تحية للأديب محمد الماغوط، ومعرض تحية للفنان فاتح المدرس .. ” .
وبدأت دائرة استقبال معارضه بالتوسع من دمشق إلى حلب إلى السويداء ودرعا ولبنان ومصر والعراق وكلية الفنون الجميلة في دمشق، ومن معارضه معرضان مهمّان في روسيا لفتا انتباه الجمهور والنقاد، وقد كتب الناقد الفني يوري كرو غلوف ، وهو كاتب ومؤرخ وأكاديمي في الأكاديمية السلافية العالمية، وناقد فني في جمعية فناني روسيا، قال :
( لوحات الخطيب تكشف عن الحياة في سورية الحديثة، وتظهر صور القادة السوريين أن زمن الأبطال لم ينته بعد، إنهم موجودون ويقاتلون ، يصور الفنان أشخاصا من قلب الحياة السياسية والثقافية، نشعر بأصوات الفولاذ في اللوحات التي تعكس النضال الحديث للشعب السوري ، والألوان في لوحات الفنان تبعث البهجة كما كانت تبعثها على السجاد السوري، إنها تنقل النكهة الفريدة للبلد ولونه وشخصيته، يظهر لنا الخطيب شوارع المدن السورية والمنازل القديمة الرومانسية، يتجول المشاهد من خلالهم ، ويفهم ويشعر بتفرد هذا المكان، هناك دفء شرقي ، وحتى رائحة القهوة التي تنفث رائحتها من دلالها .. ) ..
وفي مشاهدة أخرى للمعرضين المقامين في روستوف، روسيا اللذين رتب لهما د. إياس الخطيب، وفي مشاهدة للشاعر الفنان التشكيلي الروسي مكسيم إيلينوف، وهو مؤسس ” فن البوب القوقازي ” و مؤسس معرض ” أولي ” وأيضا مجلة الفن ” موفيتون ” كتب مقالاً مطولاً حول المعرضين، أقتبس منه هذه البطاقة الشعرية الموجهة لأخي عامر :
( من قلبي الحار، بيدي القوية..
لوحة الألوان بأكملها..
مع آلاف الفرش !
لقد رسمت بشكل لا يمكن السيطرة عليه ..
لوحات حدائق مشرقة ..
حيث انعكس الوطن الأم ..
ما هذا الجمال الرائع سورية القديمة ..
أنا كفنان محب مفتون بالصور..
سيكون هناك لوحات جديدة ..
سيتم سماع الشعر عندك يا أخي عامر..
وعندي أنا أيضا .. ) .
وقد شارك في معرض عشتار في مهرجان بغداد، ومعرض ” سر الطبيعة ‘ في الاسكندرية في جمهورية مصر العربية، وأقام معارض فردية في السويداء، في المركز الثقافي من وحي كتاب المهندس سميح الجباعي ” ذاكرة الثورة ١٩٢٠ – ١٩٣٩ ” و في اتحاد الكتاب العرب وفي مؤسسة البازلت للإنتاج السينمائي .
وفي حوار لصحيفة الوسيط المغاربي الجزائرية أجرته معه د . غادة غنام، قال أنه تأثر فنياً بالبيئة التي ولد فيها، ثم بالفنان السوري فاتح المدرس والفنان نذير نبعه، وعالميا بالفنان بيكاسو الذي حاكاه بلوحة وأهداها لاتحاد الكتاب في السويداء .
وحول رؤيته للغة وكيف يجب أن يكون، أجاب :
( لغة الفن هي لغة الذوق واللطافة والسمع والبصر والسمع واللمس، لغة الأحاسيس والمشاعر والخيال الواسع، وعندما يكون الفن فنا محليا صادقا معبراً عن بيئة صاحبه، مرتبطاً ومطوراً للتراث والموروث الفني، مرتكزاً على النظريات الفكرية والروحية العربية، متماشياً ومستفيداً من حركة الفن التشكيلي العالمي المعاصرة والملائمة لطبيعتنا وقيمنا، محافظاً على شخصيتنا الفنية الجمالية المنتمية، بعيداً عن التقليد والذّوبان .. ) .
وهذا البوح عن رؤيته للفن ولغته، يستطيع أي متتبع أو زائر لمعارضه المتعددة أن يكتشف ذلك بنفسه، من حيث ارتباطه بهذه الخصوصية التي حملتها لوحاته عربيا وعالميا، واستطاع السوري والعربي والعالمي قراءتها بذات المعنى الذي قصده الفنان، وبهذا تكون مقولة ” المحلية هي الطريق إلى العالمية “، قد أصابت الهدف في لوحات عامر الخطيب .
كما تنطبق من وجهة نظري على أعمال أخي عامر الفنية مقولة أخرى، وهي مقدرته على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، بين القديم والجديدة، ولعل الناظر المتفحص في أعماله باستطاعته التثبت من هذه الرؤية .
ومازال التشكيلي عامر الخطيب مجتهداً مثابراً على صناعة الجمال بحسه الرهيف والشفيف، وهو صديق حميم للخيال والألوان والفرشاة، التي لانت وطاعت له، فأبدعت في عزفها على الأبيض موسيقا النبض والفكرة والألوان .
عامر مازال يرسم، وأنا مازلت أسأله من وحي أعماله ..
( من أين هذا اللحن في الألوانِ ..
والتشكيلُ يصدحْ .. !؟
أو كيف تدعو الجلّنارَ إلى خيالك ..
كيف قام الزّهرُ يمرحْ .. !؟
إني رأيتك حينما خبّأت عشقك
في ثنايا اللوحة الخرساء ..
قام العشقُ يَفْضَحْ ..!! ) .
الفنان التشكيلي عامر الخطيب سرّنا أن كنتَ ضيفاً كريماً على مجلتنا ” الأدباء ” متمنين لك دوام الصحة والعطاء والإبداع في لواحات قادمة داهشة ..







